تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

وفي أواخر عهد الحكم قامت ثورة داخلية عنيفة في ربض قرطبة، كادت أن تطيح بعرشه لطغيانه وشدته، وكان من ورائها الفقهاء، ونفر من الأعيان وعدد كبير من المولدين، وهم سكان البلاد الأصليين الذين أسلموا، ولكنه تمكن من زعمائهم وصلبهم في سنة «202ه/817م»، وقضى على روح الثورة، واجتث جذورها بكثرة من فتك بهم، فهدأت له الأمور إلى أن أدركه الأجل في سنة «206ه/822م»، فخلفه ابنه عبد الرحمن الثاني وله من العمر 31 سنة، فقام بالأمر أحسن قيام، وبعث عدة حملات عسكرية إلى جيليقية وبسكونية وغاليسيا، وقضى على عدة ثورات داخلية قام بها مناوئوه من المولدين والثوار، وجهز عدة أساطيل لغزو «الباليار»، فأخضع أهله لحكمه وغزا سواحل إيطاليا وفرنسا، وقضى على كثير من الفتن الداخلية وشيد كثيرا من المعاهد والمدارس، وأحيا العلوم والآداب وازدهرت البلاد في عهده إلى أن هلك في سنة «238ه/852م»، وله واحد وستون عاما؛ فخلفه ابنه محمد (238-273ه/852-886م)، فلم يكن في عهده شيء بارز. ثم لما هلك محمد خلفه ولداه المنذر (273-275ه/886-888م)، ثم عبد الله (275-299ه/888-912م)، ولم يكن في عهدهما ما يستحق الذكر، كما أنهما لم يكونا متصفين بشيء من الصفات النادرة، التي كان البيت الأموي يتصف بها من إدارة وحزم وسياسة ودهاء وكياسة، وقد ظهرت في عهدهما بعض الفتن الداخلية الكبيرة، وتآمر عبد الرحمن الثالث على جده الخليفة عبد الله مع الحجام، فسمه بمبضع الفصاد

2

فقتله وتولى الخلافة بعده، وقامت في عهد محمد وعبد الله عدة ثورات داخلية، وانفصلت بعض المقاطعات عن الدولة معلنة استقلالها؛ كمقاطعة ألرية الجبلية وعاصمتها مدينة أرجذونة، حتى عقد صاحبها معاهدة استقلال مع الخليفة محمد لقاء جعل من المال.

واستقلت مقاطعات أرغونة وسرقسطة وتطيلة، وتعهد أصحابها بنو القسي، وهم من القوط المسلمين بدفع مبلغ من المال لقاء استقلالهم، وتعاهدوا مع جيرانهم من الفرنجة في غاليسيا، وانفصلت مقاطعة طليطلة بقيادة أصحابها بني ذي النون البربر، كما انفصلت مقاطعة إشبيلية تحت زعامة بني الحجاج، الذين ينتسبون إلى سارة حفيدة غيطشة آخر ملوك القوط. واستقلت مقاطعتا ماردة وباحة تحت إمرة عبد الرحمن بن مروان الجليقي، كما استقلت قرطبة وما حولها بزعامة الأمير ابن حفصون، وهو أحد نبلاء القوط، الذين تظاهروا بالإسلام، وتغلبوا على قسم كبير من البلاد.

وقد أحس المسلمون في أواخر عهد الأمير عبد الله أن البلاد قد تجزأت، وأنها آخذة في الاضمحلال، وتحتاج إلى أمير كبير ينظم أمورها ويوحدها، فكان عبد الرحمن الثالث هو ذلك الرجل المنشود.

الفصل الثالث

| الدولة الأموية في الأندلس

فترة الخلافة

تولى عبد الرحمن الثالث الإمارة في وقت عصيب، وكان عمره 23 سنة، ولكنه كان يتمتع بمزايا جليلة؛ فنشط لاسترجاع الأمصار والمقاطعات المستقلة، ووسع الفتوحات الإسلامية، وأخذ يعد العدة لخصومه في الجنوب من الفاطميين، وفي الشمال من الفرنج، فحمل على أنصار الخلفاء الفاطميين في شمال إفريقية، واستولى على قسم كبير من الأراضي التي ألحقوها بدولتهم، وغزا موانئهم بأسطوله الضخم الذي ضاهى أسطولهم، وبعث بجيوشه نحو الشمال، فغزا بلاد الباسك (البشكنس)، واستولى على كثير من قلاعهم، واستولى على بلاد «تافار».

شجرة الدولة الأموية الأندلسية في فترة الخلافة

ولما تم له ذلك السلطان الواسع رأى أن الخلفاء العباسيين قد اضمحل نفوذهم وكثر منافسوهم، وبخاصة حين قوي الفاطميون ونازعوهم الخلافة، فرأى وهو ابن الخلائف الأمويين أن يعلن خلافته، واتخذ لنفسه لقب «الناصر لدين الله»، وكان ذلك في «ذي الحجة 316ه/كانون الثاني سنة 929م».

وبعد أن أعلن خلافته انصرف إلى توسيع رقعة الدولة ونشر راية الإسلام في كثير من الأراضي التي طوي علمه فيها، أو التي لم ينشر فيها أجيالا، فحارب الملك راميرو الثاني ملك ليون، كما حارب الأميرة طوطة أرملة شانجة الكبير، أميرة بلاد النافار، ولم يستطع التغلب عليهما أول الأمر، ولكنه تمكن بدهائه وحزمه أن يخضعهما.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٩٢