36
وأن أبا سعيد الخدري قال: كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من أقط، أو صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من شعير، فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية، فخطب على منبر رسول الله
صلى الله عليه وسلم
ثم ذكر الزكاة فقال: إني لأرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر.
37
وإن الحسن بن قاسم قال: أول من خطب بمكة على منبر معاوية بن أبي سفيان، قدم به من الشام سنة حج في خلافته، منبر صغير على ثلاث درجات، وكانت الخلفاء قبل ذلك يخطبون يوم الجمعة على أرجلهم، قياما في وجه الكعبة وفي الحجر.
38
وروى السيوطي عن ابن أبي شيبة أن معاوية هو أول الملوك، وأول من بايع لولده، وأول من عهد بالخلافة في صحته، وأول من وضع البريد في الإسلام، وأول من اتخذ الخصيان، وأول من اتخذ ديوان الخاتم، وأول من اتخذ صاحب حرس.
39
وروي عن مالك: أن معاوية أول من استقضى.
40
وقال ابن طباطبا: «إن معاوية كان مربي دول، وسائس أمم، وراعي ممالك، ابتكر في الدولة أشياء لم يسبقه إليها أحد، ومما اخترع من أمور الملك ديوان الخاتم، وهذا ديوان يعتبر من أكابر الدواوين، لم تزل السنة جارية به إلى أواسط دولة بني العباس فأسقط، ومعناه أن يكون ديوان، وبه نواب، فإذا صدر توقيع من الخليفة بأمر من الأمور أحضر التوقيع إلى ذلك الديوان، وأثبتت فيه نسخة وخزم بخيط، وختم بشمع، كما يفعل في هذا الزمان بكتب القضاة، وختم بخاتم صاحب ذلك الديوان، وكان معاوية معروف الهمة إلى تدبير أمر الدنيا، يهون عليه كل شيء إذا انتظم أمر الملك.»
41
ولاية العهد
أول من فكر في إسناد ولاية عهد معاوية إلى يزيد هو المغيرة بن شعبة؛ فهو الذي أدخل الفكرة في نفس يزيد، وجعله يطلبها من أبيه، فلما سمع معاوية قول يزيد سأله عمن أوحى إليه بها، فقال: هو المغيرة، فاستدعاه فسأله فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان، وفي يزيد منك خلف، فاعقد له، فإن حدث لك حادث كان كهفا للناس، وخلفا منك، ولا تسفك دماء، ولا تكون فتنة، قال: ومن لي بهذا؟ قال: أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك.
42
فأعاد معاوية المغيرة إلى منصبه في إمارة الكوفة - وكان عزله عنه - وأخذ يعمل لما ذهب إليه، فجاء عشرة من أعيان الكوفة إلى معاوية، وطلبوا إليه أن يعهد ليزيد، فأرسل إلى زياد بالبصرة يسأله، فنصحه أن يتريث؛ لعدم توفر الشرط في يزيد؛ فإن فيه تهاونا وولعا بالصيد، ومنذ ذلك الحين كف يزيد عن كثير مما يولع به، فلما مات زياد أرسل معاوية إلى مروان بن الحكم - وكان أميرا على المدينة - يقول له: إني قد كبرت سني، ورق عظمي، وخشيت الاختلاف على الأمة بعدي، وقد رأيت أن أتخير لهم من يقوم بعدي، وكرهت أن أقطع أمرا دون مشورة من عندك، فاعرض ذلك عليهم، وأعلمني بالذي يردون عليك.
43
فلما عرض مروان الأمر على الناس في المسجد، هاج الناس واضطربوا، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: أتريدون أن تجعلوها هرقلية، كلما مات هرقل قام هرقل؟
44
وكذلك قام الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير واستنكرا العمل.
ثم كتب معاوية إلى عماله أن يمهدوا للأمر، ويبعثوا إليه الوفود بذلك، فلما اجتمعت الوفود أعلن معاوية بيعته، وقام الضحاك بن قيس الفهري فتكلم باسم الوفود، وبين فضل يزيد، ودعا إلى بيعته؛ لعلمه وعقله واجتماع كلمة المسلمين عليه، ويظهر أن الحجاز قد أخذ يضطرب لهذه البيعة، فلم ير معاوية بدا من ذهابه، فلما وصل المدينة
45
استدعى الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر فأبوا أن يجيبوه، فدخل على عائشة وتهددهم، فأوصته بالرفق والتريث، ثم اجتمع بالثلاثة فقال ابن الزبير: نخيرك بين ثلاثة: تصنع كما صنع رسول الله، أو كما صنع أبو بكر، أو كما صنع عمر، فقال معاوية: ليس فيكم مثل أبي بكر وعمر، وأخاف الاختلاف، هل عندك غير هذا؟