تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سار علي من الكوفة إلى صفين في تسعين ألفا لخمس بقين من شوال سنة 36، وسار معاوية من الشام في «85 ألفا» والتقوا عند صفين. قال ابن سعد: «اقتتل الناس بصفين قتالا شديدا ، لم يكن في هذه الأمة مثله قط، حتى كره أهل الشام وأهل العراق القتال، وملوه من طول تباذلهم السيف.»

وتراسل الطرفان فاتفقا على الموادعة إلى آخر المحرم سنة 37. ومن يقرأ ما أورده الطبري، يحكم بأن عدم انتهاء الطرفين إلى نتيجة طيبة راجع إلى فساد الرسل وطيشهم. وفي أول صفر سنة 37 عاد القتال بين الطرفين، وكادت الدائرة تدور على معاوية وجماعته، وقال لعمرو بن العاص: هلم مخبآتك يا ابن العاص فقد هلكنا، واستطاع عمرو بدهائه أن يفرق بين جند علي، فانقسموا على أنفسهم حين قال عمرو لجنوده: أيها الناس من كان معه مصحف فليرفعه على رمحه، فرفعوا المصاحف، وقال قائلهم: هذا كتاب الله - عز وجل - بيننا وبينكم، فلما رأى أهل العراق المصاحف مرفوعة قالوا: نجيب إلى كتاب الله.

22

وقد أراد عمرو أن يحول دون العراقيين والنصر، فكان له ما أراد، وعبثا حاول علي أن يحول دون ذلك، ثم كان من أمر التحكيم ما كان، واتفق الطرفان على خلع صاحبيهما، وخلع أبو موسى صاحبه عليا، وجعل الأمر شورى بين المسلمين، ولم يفعل ذلك عمرو بن العاص لصاحبه معاوية، بل قال: إنه يقر أبا موسى على قوله، أما هو فلا يخلع صاحبه، فثارت الخوارج، وكان من الخوارج ما كان، إلى أن انتهى الأمر بقتل الإمام علي كما مر وتولية الحسن. (3) عام الجماعة

لما قتل الإمام علي وبايع الناس ابنه الحسن، رأى أنه لا يستطيع الوقوف أمام معاوية؛ لخذل العراقيين إياه وقوة الأمويين، فتنازل عن الخلافة وفقا للشروط الآتية: أن يكون له ما في بيت مال الكوفة، وهو نصف مليون دينار، وأن يكون له خراج دارابجرد.

23

وأن يكون الأمر بعد وفاة معاوية شورى بين المسلمين يولون عليهم من أحبوا. وهكذا صار معاوية صاحب السلطان في الأقاليم الإسلامية كلها. ودخل معاوية الكوفة في جمادى الأولى سنة 41ه، فبايعه الناس بمحضر الحسن والحسين، ثم خرجا إلى المدينة.

24

واتفقت كلمة جمهور المسلمين، فسمي ذلك اليوم عام الجماعة.

25

أما الحسن فإنه لم يلبث طويلا في المدينة حتى مات بعد نحو شهرين من وصوله إليها.

26

ومنذ سنة 42ه استقرت الأمور لمعاوية في كافة أرجاء العالم الإسلامي، ولم يكن له خصوم سوى العلويين، وكانوا متفرقين في الحجاز والعراق ومصر، وسوى الخوارج الذين كانوا يكرهون الأمويين والعلويين معا. ويرونهم مارقين من الدين.

أما العلويون فقد كانت الكوفة أكبر مراكزهم في العراق، ولكن تنازل الحسن لمعاوية جعلهم يتخاذلون، ولكن السياسة التي سار عليها معاوية في سب علي والتشهير به على المنابر جعلتهم يتحمسون؛ فقد روى الطبري أن معاوية ولى المغيرة بن شعبة على الكوفة، وأمره بلعن علي، فأخذ هذا يلعن عليا كلما قام خطيبا، وبينما هو كان يخطب مرة سب عليا ومدح عثمان، فقام إليه حجر بن عدي وقال له: إن من تذمون وتعيرون لأحق بالفضل، وإن من تزكون وتطرون أولى بالذم.

27

فقال له المغيرة: «ويحك اتق السلطان وغضبه وسطوته، فإن غضب السلطان أحيانا مما يهلك أمثالك.» وظل حجر على عدائه حتى مات المغيرة، وولي الكوفة بعده زياد ابن أبيه، فاتبع طريقة من كان قبله، فضاقت الشيعة ذرعا وأخذوا يتشاورون في الأمر، واتفقوا على أن يسبوا معاوية في المجتمعات العامة، إلى أن يكف الأمويون عن سب علي، فلما بلغت هذه الأخبار زيادا، وكان يقيم بالبصرة، فقدم الكوفة واستدعى حجرا فهدده، ثم بعث به وبجماعة آخرين إلى معاوية، فقتل منهم ثمانية، وأخذ زياد ومعاوية يضيقون على الشيعة حتى صار الناس يكتمون تشيعهم، وركدت الحركة العلوية إلى حين.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٥