5
وكان من بينهم الأكدر بن حمام سيد اللخميين، ونفر كبير من المعافر، فثار اللخميون وكادت أن تقع فتنة كبيرة لولا أن تداركها مروان بحكمته وعقله، ولما تم له الأمر بمصر رجع إلى الشام، وشرع يعد حملتين إحداهما إلى العراق والثانية إلى الحجاز، أما الأولى - وكانت بزعامة عبد الله بن زياد - فإنها سافرت، ولم تكد تقوم بعمل حاسم حتى جاءها الخبر بموت مروان، وأما الثانية - وكانت بزعامة حبيش بن دلجة القيني - فهزمها ابن الزبير، وجاءها خبر مروان فتفرق شملها، كما سترى تفصيل ذلك بعد.
كان مروان بعد أن استقر له الأمر قد خلع خالد بن يزيد من ولاية عهده، وأمر أهل الشام بمبايعة ابنه عبد الملك وعبد العزيز، وجعلهما ولي العهد، وأخذ ينتقص خالدا ويشتمه ويصفه بالحمق، فدخل خالد على أمه، وكانت قد تزوجت مروان بعد وفاة يزيد، فقص عليها ما يراه ويسمعه من مروان، فقالت له: لا يعرفن ذلك منك، واسكت فإني أكفيكه. ولما قام عندها مروان وضعت على وجهه وسادة لم ترفعها حتى قتلته، وعندما علم عبد الملك بذلك أراد قتلها، فأشير عليه بالعدول عن ذلك، كيلا يتحدث الناس أن امرأة قتلت أباه فيلحقه العار من ذلك.
6
وكان هلاك مروان في رمضان سنة 65، وله من العمر ثلاث وستون سنة.
7
ومدة خلافته تسعة أشهر وأيام.
قال المدائني: كان مروان من رجال قريش، من أقرأ الناس للقرآن، وكان يقول: ما أخللت بالقرآن قط، وإني لم آت الفواحش والكبائر قط.
8 (3) الأحوال العامة في عهد معاوية ومروان
جرت خلال العام الذي حكم فيه هذان الخليفتان حوادث جليلة نجملها فيما يلي: (1)
فتنة أهل الرأي؛ وذلك أنه لما بلغهم موت يزيد خلعوا ربقة الطاعة لبني أمية، وكان على رأسهم الفرحان الرازي، فبعث إليهم عامر بن مسعود أمير الكوفة جيشا بقيادة محمد بن عمير بن عطارد التميمي، فتغلب عليه الرازيون، فبعث إليهم عامر عتاب بن ورقاء التميمي، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى تفرق المشركون وقتل الفرحان.
9 (2)
فتنة أهل خراسان؛ وذلك أنه لم يكفهم موت يزيد واختلاف العرب بعده، وكان أمير خراسان سلم بن زياد، فخطب الناس وردهم إلى بيعته حتى يستقيم أمر الناس على خليفة فبايعوه، ثم نكثوا عهده بعد شهرين، فخرج من خراسان وخلف عليها المهلب بن أبي صفرة، فلما وصل نيسابور لقيه عبد الله بن خازم، فقال له: من وليت خراسان؟ فأخبره فقال: أما وجدت من توليه خراسان غير هذا اليمني؟ اكتب لي عهدا على خراسان، فكتب له وأعطاه مائة ألف درهم، ووقعت فتنة كبيرة بين ابن خازم والمهلب، انشطر فيها العرب شطرين: يمانية ونزارية، وانشطر النزارية إلى ربيعية ومضرية، وقد استمرت هذه الفتن طويلا حتى قال أحد المضريين: إن ربيعة لم تزل غضابا على ربها منذ بعث نبيه من مضر.
10 (3)
فتنة أهل الكوفة: وذلك أنهم لما علموا بموت يزيد، وأن البصريين قد بايعوا عبيد الله بن زياد، عزلوا أميرهم عمرو بن حريث، وأمروا عامر بن مسعود بن خلف القرشي.
11
فمكث ثلاثة أشهر حتى خضعت الكوفة لابن الزبير. (4)
فتنة أهل البصرة: وذلك أنهم بايعوا عبيد الله بن زياد، بعد أن علموا بموت يزيد، ولكنهم لم يلبثوا أن خلعوه ووقعت بين الجانبين حوادث انتهت بهرب عبيد الله إلى الشام، وخضوع البصرة لابن الزبير.
12
واستقر المصران (البصرة والكوفة) لعبد الله بن الزبير حين بعث عليهما عبيد الله بن يزيد الأنصاري على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة على الخراج.
الفصل الرابع
| عبد الله بن الزبير
64-73ه (1) أوليته
هو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، ولد عام الهجرة، وهو أول مولود في الإسلام، وحنكه النبي
صلى الله عليه وسلم
وتربى تربية إسلامية بحتة فحفظ عن النبي
صلى الله عليه وسلم