كما نجد في القرآن المكي صدى واضحا لما كان يلقاه أكثر المسلمين من أذى المشركين، منذ ابتداء الدعوة إلى وقت الهجرة؛ أمثال آيات سورة البروج (10-14)، ومنها قوله تعالى:
إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير * إن بطش ربك لشديد * إنه هو يبدئ ويعيد * وهو الغفور الودود ، وقال تعالى في سورة النحل (41-42):
والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون . وقال تعالى:
ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (سورة النحل: آية 110). وفي سورة الأنفال (آية 30):
وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين . وفي سورة الفرقان (آية 41-42):
وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا * إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا . وفي القرآن المكي كثير من الصور التي تصور حزن النبي وتأثره من عنف هؤلاء المشركين؛ وبخاصة أهله وأقرباؤه، كقوله تعالى:
فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل (سورة هود آية 12)، وقال تعالى:
قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون .
ومما تجدر بنا ملاحظته في القرآن المكي أن ذكر اليهود والنصارى وكتبهم المقدسة كان دوما مشفوعا بالإجلال لإيمانهم ولتصديق كتابهم، وقد سرد النبي في كثير من السور المكية شواهد على توافق الدين الإسلامي والنصراني، وأن القرآن ما جاء إلا تصديقا لما سبقه من الكتب السماوية من صحف إبراهيم، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وتفصيلا لها لا ريب فيه من رب العالمين؛ «سورة يونس» (37) و«سورة الأنعام» (92) و«سورة فاطر» (31-32)، وغيرها كثير مثل قوله تعالى:
شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه (سورة الشورى: آية 13)، وقال تعالى:
الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا (سورة القصص: آية 52-54).
الفصل الرابع
| في العبادات والمعاملات والواجبات التي شرعت في العهد المكي
شرع الله الإسلام أركانا خمسة؛ هي: الشهادة بتوحيده والإقرار بنبيه، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والحج.
أما الصلاة فشرعت في مكة، ولكن كيفية إقامتها وتنظيم عدد ركعاتها وما إلى ذلك من الطقوس، فقد شرع في المدينة، وما شرعت الصلاة إلا للاتجاه إلى الله تعالى ورجائه والانصراف إليه، وشكره على ما أنعم. هذا ولم يرد في القرآن مكيه ومدنيه تحديد كيفية الصلاة وأوقاتها، وإنما جاءت السنة بذلك، وفي روايات جعلها خمس مرات في ليلة الإسراء في أواسط العهد المكي. وقد اشترط للصلاة وجوب التطهير بالوضوء والخلو من الجنابة وطهارة الثوب وصفاء النية وخلوص القلب. ويظهر أن صلاة يوم الجمعة كانت مشروعة منذ فجر الإسلام، وأن الأنصار كانوا يجمعون قبل هجرة النبي.
وأما الصوم فقد شرع في السنة الثانية للهجرة، والروايات متواترة على أن النبي كان يصوم في الجاهلية والإسلام يوم عاشوراء، وأما صوم رمضان وتحديده بشهر وشرائط معلومة، فقد شرع في السنوات الأولى من العهد المدني.