1 (2) السكان
كان سكان بلاد الإمبراطورية الإسلامية في هذا العهد هم سكانها الذين حدثناك عنهم في العهد السابق، إلا أن العناصر البارزة منهم هي العناصر الطورانية؛ فالسلاجقة والخوارزمية والأتابكية هم من التركمان والأتراك الطورانيين الذين كانت ديارهم في تركستان مما وراء النهر، ثم انثالوا منه إلى إيران فالشرق الأوسط، وهم قوم أشداء محاربون، عرفوا بذلك منذ زمن الجاحظ، فقد أطنب في رسالته التي ألفها عنهم في تفضيلهم، وبيان مزاياهم وشجاعتهم حتى يقول: «ومزية الأتراك في الحروب، وهم كذلك أصحاب عمد، وسكان فياف، وأرباب مواش، وهم أعراب العجم، كما أن هذيلا أكراد العرب، لم تشغلهم الصناعات ولا التجارات ولا الطب والفلاحة والهندسة ولا غراس ولا بنيان، ولا شق أنهار ولا جباية غلات، ولم يكن همهم غير الغزو والغارة والصيد وركوب الخيل ومقارعة الأبطال وطلب الغنائم، وتدويخ البلاد، ولذتهم في الحروب، وهي فخرهم وحديثهم وسمرهم، وقد اتصفوا بالصفات التي تستتبع النجدة والفروسية من الكرم وبعد الهمة وطلب الغاية والحزم والعزم والصبر.» وعلى الجملة فقد كان لهؤلاء الأتراك - من تركمان وديلم وخوارزم - سلطان كبير في هذا العهد الذي نؤرخه.
ومن سكان الإمبراطورية الإسلامية في هذا العهد الصليبيون من أمم أوروبا فقد أقاموا في الشام قرنين، اختلطوا فيها بالسكان، وعلى الرغم من الفتن والحروب بين الطرفين؛ فإن كلا من الجانبين قد أثر في الجانب الآخر، وأفاد من مزاياه وتضرر بعيوبه، وقد فصلنا ذلك في كلامنا على نتائج الحملات الصليبية. يقول ابن جبير إنه كان بين الجانبين حد يعرف بحد المقايسة، فهم يتشاطرون الغلة على استواء ومواشيهم مختلطة لا حيف يجري بينهم فيها.
2
وقد كان هؤلاء الصليبيون ثلاث طبقات: (1)
طبقة العبيد الذين كان يحضرهم التجار الجنويون والبنادقة إلى الشام من جورجيا وروسيا وأرمينية، وكان هؤلاء على شر حالة، ولم يكن الصليبيون يسمحون ببيع الرقيق المسيحي إلى المسلم، والعكس بالعكس، وكان الأسرى من الجانبين، المسلمين والصليبيين، يعاملون معاملة الرقيق، إلا في حالات خاصة كأن يكون الأسير شريفا أو شخصية معروفة. (2)
طبقة التجار والزراع والموظفين، وقد كان هؤلاء موضع احترام الجانبين من مسلمين وصليبيين. (3)
طبقة الأشراف والنبلاء ورجال الكنيسة وهؤلاء كانوا يعيشون في ترف ويسر، ولهم إقطاعات وقد جمعوا ثروات ضخمة، وكانت لهم قصور فخمة لا تقل عن قصور أمراء المسلمين رونقا وفخامة.
3
ومن طرائف أخبار الصليبيين والمسلمين أنهم كثيرا ما كانوا يتناسون أحقادهم وتراثهم في الحروب ويجتمعون معا في الحفلات العامة من أعراس وولائم، وقد حفظ لنا أسامة بن منقذ الأديب الشاعر والكاتب المعاصر، وأحد فرسان المسلمين وأدبائهم في أيام الصليبيين في «كتاب الاعتبار» صورا رائعة من الصلات الاجتماعية بين الجانبين، كما يذكر الرحالة ابن جبير أنه حضر إحدى حفلات لزواج صليبي في صور، ووصفها لنا وصفا دقيقا، فقال: «إن الرجال والنساء قد اصطفوا صفين عند باب العروس وراحت الأبواق والمزامير وجميع الآلات اللهوية حتى خرجت العروس تتهادى بين رجلين يمسكانها من يمين وشمال، كأنهما من ذوي أرحامها، وهي في أبهى زي وأفخر لباس، تسحب أذيال الحرير المذهب سحبا على الهيئة المعهودة من لباسهم، وعلى رأسها عصابة من ذهب قد حفت بشبكة ذهب منسوجة، وعلى لبتها مثل ذلك منتظم، وهي رافلة في حليها وحللها تمشي فترا في فتر، وأمامها جلة رجالها من النصارى في أفخر ملابسهم، ووراءها أكفاؤها ونظراؤها من النصرانيات، يتهادين في أنفس الملابس، وقد تقدمهم المسلمون وسائر النصارى من النظار قد عادوا في طريقهم محاطين يتطلعون ولا ينكرون عليهم، فساروا حتى أدخلوها في دار بعلها.