تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| عصر السقوط

من سنة 422ه إلى سنة 656ه

الفصل الأول

| عرض موجز لشئون الخلافة وأحوال الخلفاء من عهد القادر إلى عهد المستنصر آخر الخلفاء

وقف بنا الكلام في عرضنا لشئون الخلافة وأحوال الخلفاء في الكتاب الثاني عند نهايته عن الخليفة القادر أبي العباس أحمد، ورأينا أنه كان من أفاضل الخلفاء حسن الطريقة، وأنه أراد إرجاع مظاهر العزة للخلافة، ولكنه لم يفلح إلا بعض الشيء، فحييت رسوم الخلافة، ورجع وقار الدولة لطول عهده، ولكن تلك الحياة كانت صحوة الموت كما قلنا.

ولما مات في سنة 422ه بويع ابنه عبد الله جعفر وتلقب بالقائم بأمر الله، وكان حسن الطريقة كأبيه، صالحا عاقلا، فاستطاع أن يتم خطوة أبيه، فأمر بالمعروف وعدل في الناس. وكان سلطان العراق في عهده جلال الدولة البويهي، ولم يكن هذا حازما، فشغب عليه جنوده، واضطرب أمر السلطنة فاضطرب أمر الخلافة معها تبعا، وعاث الجنود الفساد في البلاد والقرى، حتى في ممتلكات الخليفة فلم يستطع السلطان أن يمنعهم، وانتشر البدو في البلاد يفسدون وينهبون، فلما مات جلال الدولة تسلطن ابن أخيه أبو كاليجارين سلطان الدولة، ولقبه الخليفة بمحيي الدولة (الدين)، ولم تكن حال البلاد في عهده خيرا من حالها في عهد عمه إلى أن مات، فخلفه ابن خسرو فيروز الملك الرحيم، ولم يكن خيرا من سلفه إلى أن طرده طغرل بك السلجوقي وقضى على دولة آل بويه، وابتدأت دولة آل سلجوق.

وتفصيل ذلك أن حالة العراق قد ساءت في أواخر عهد خسرو فيروز، حتى إن أبا الحارث أرسلان البساسيري أحد مماليك بهاء الدولة البويهي قد قوي نفوذه وأراد أن يزيل الخلافة العباسية وكاتب الخليفة المستنصر الفاطمي صاحب مصر بذلك، ولما علم الخليفة في بغداد بهذا، كتب إلى طغرل بك يستغيث به، فقدم هذا على بغداد في محرم سنة 447ه وأسر فيروز، أما البساسيري فقد فر وأخذ يجمع جموعه لاسترداد بغداد، فبعث إليه طغرل بك ابن عمه قتلمش فتغلب البساسيري، واضطر طغرل بك أن يقابله بنفسه، والتقى جمعهما وانهزم البساسيري، وسيطر طغرل بك على الديار الموصلية، ثم رجع إلى بغداد سنة 449ه، وقابل الخليفة ففوض إليه إدارة البلاد وخلع عليه سبع خلع، وتوجه وعممه ولقبه بملك المشرق والمغرب، فقبل يد الخليفة مرتين، وبالغ في احترام الخليفة.

وفي سنة 450ه بينما كان السلطان طغرل بك غائبا عن بغداد، استطاع البساسيري أن يدخلها بجنده ويخطب للمستنصر العلوي، واضطر القائم إلى الهرب واللجوء إلى مهارش بن مجلي العقيلي في حديثة عانة فأكرم وفادته. أما البساسيري فإنه تسلط على بغداد وسار بالناس سيرة حسنة وامتد نفوذه إلى واسط والبصرة حيث خطب للمصريين أيضا.

وفي سنة 451ه توجه طغرل بك إلى بغداد فهرب البساسيري منها، وبعث السلطان الإمام أبا بكر أحمد بن محمد المعروف بابن فورك إلى قريش بن بدران يشكره ويستدعي الخليفة، ولما وصل الخليفة إلى النهروان خرج طغرل بك لاستقباله ودخلوا بغداد جميعا في أواخر سنة 451ه، وأنفذ السلطان جيشا لملاحقة البساسيري فأمسك به وقتله شر قتلة، ثم رجع السلطان إلى الري عاصمة ملكه، وأقام فيها نائبا سماه «الشحنة» بعد أن تزوج السلطان بابنة الخليفة ومات بالري في سنة 455ه.

ولما مات خلفه عضد الدولة أبو شجاع ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، وكان أميرا حازما عاقلا مدبرا، استعان بالوزير العظيم نظام الملك الطوسي على إدارة دولته، فصدقه نظام الملك في الخدمة وحسنت الدولة في أيامهم، ولما مات ألب أرسلان خلفه جلال الدولة أبو الفتح ملكشاه، ولأوائل حكمه توفي الخليفة القائم في 13 شعبان سنة 467ه.

خلف بعد القائم حفيده أبو القاسم عبد الله بن الذخيرة أبي العباس محمد بن الخليفة القائم ولم يكن للقائم من أعقابه ذكر سواه؛ فإن «الذخيرة» مات أيام أبيه، وكان للذخيرة جارية أرمنية فولدت بعد موت سيدها بستة أشهر غلاما سماه جده عبد الله وولاه عهده وأحسن تربيته ورعايته، فشب قوي النفس، متن الخلق، عظيم الهمة، أحسن إدارة البلاد، ومنع الفتيات المفسدات من البغاء في بغداد، وأشرف على أمور الناس بنفسه، فحسنت الأحوال؛ لأنه كان حسن السيرة، ذا فضل وحزم وعفة وجهاد أيضا، فتوسعت رقعة البلاد في عهده وامتدت من الصين إلى اليمن، ووضع في النواحي التي افتتحها وخطب للخليفة فيها من بلاد الروم خمسين منبرا، وامتد سلطانه إلى سمرقند والمشرق، وما ذلك كله إلا لحسن إدارته وبراعة سياسته واستماعه لإرشادات الوزير الصالح العالم نظام الملك، فلما مات ملكشاه وكان له بنون أربعة: بركياروق، ومحمد، وسنجر، ومحمود، وهو طفل، فطلبت أمه من الخليفة أن يسمي ولدها للسلطنة فأجابها، إلا أن جنود نظام الملك سلطنوا بركياروق، وبعثوا إلى الخليفة تقليد السلطنة فمات فجأة والتقليد بين يديه في 15 محرم سنة 487ه فلم يتم ذلك.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٤٤