تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5 (6)

طمع البويهيون في الخلافة نفسها؛ فقد ذكر مسكويه (في تاريخه 2: 412) ما نصه: «دبر عضد الدولة سنة 369 أن يقع بينه وبين الطائع لله بابنته الكبرى، ففعل ذلك، وعقد العقد بحضرة الطائع لله وبمشهد من أعيان الدولة والقضاة على صداق مائة ألف دينار، وبني الأمر فيه على أن يرزق ولدا ذكرا منها فيولى العهد وتصير الخلافة في بيت بني بويه، ويصير الملك والخلافة مشتملين على الدولة البويهية.» (7)

أشرنا قبل إلى أن منصب الوزارة قد ألغي من دار الخلافة، وقام «الكاتب» مقام وزير الخليفة واختص السلطان البويهي «بالوزير»، ويجب أن نضيف هنا إلى ذلك أن الصفة الحربية قد أصبحت للوزير، مع أنه كان من طبقة الكتاب، وقد استتبع هذا أن أصبح للوزراء ألقاب تفخيم كسعد الدولة، وشرف الملك، وما إلى ذلك مما لم يكن معروفا من قبل، ومما يجب أن نشير إليه هنا أن عضد الدولة اتخذ وزيرين أحدهما نصراني، وهذا أمر لم يحدث قبلئذ.

الفصل الثالث

| ظهور دويلات جديدة

ظهرت في هذه الحقبة دويلات جديدة هي: (1) دولة آل بويه. (2) دولة الحمدانيين. (3) دولة الغزنويين. *** (1) دولة آل بويه (من 334 إلى 447ه/945-1055م) (1-1) أوليتها

كان أبو شجاع بويه تركيا مغمورا يصيد السمك ببلاد الديلم

1

وكان له ثلاثة أولاد هم أبو الحسن علي، وأبو علي الحسن، وأبو الحسين أحمد، وقد انخرطوا ثلاثتهم جنودا في خدمة «مرداويج بن زيار»، صاحب الدولة الزيارية، وبرزت مواهبهم العسكرية الفائقة فاعتمد عليهم مرداويج، فولى عليا على مدينة «كرج» (بين أصفهان وهمدان)، وكان حازما عاقلا حسن التصرف، فأحبه أهل الكرج، وأخذ قدره ينبل حتى خاف منه مرداويج على نفسه فاستدعاه إليه، ولكن عليا رفض المثول بين يديه، وأعلن عصيانه عليه، وسار إلى «أصفهان» فاستولى عليها، واشتد قلق «مرداويج»، فكتب إليه يعاتبه ويستميله ويطلب إليه أن يعود إلى طاعته حتى يمده بالجند والمال ليوسع ملكه، ولا يطلب منه مقابل ذلك إلا الخطبة له في تلك البلاد، وفي الوقت الذي كتب إلى علي، كتب إلى أخيه «وشميكر بن زيار» أن ينقض على علي ويفتك به، فأحس علي بذلك، ورحل عن أصفهان قاصدا بلاد «أرجان» فاستولى عليها سنة 321ه/933م، ثم استولى على بلاد «النوبندجان»، ثم سار إلى «أصطخر» فامتلكها، ثم سار إلى «شيراز» فهرب أميرها ياقوت واستولى على أمواله، ولما رأى سعة ملكه وقوة سلطانه، كتب إلى الخليفة الراضي بالله، وإلى وزيره ابن مقلة، يطلب أن يعهد إليه بما في يده من البلاد، وبعث إليه بألف ألف درهم، فأجيب إلى طلبه وبعث إليه الخليفة بالخلعة واللواء.

ولما بلغت هذه الأخبار «مرداويج» ثار ثائره، وسار إلى «أصبهان» وبها أخوه «وشميكر»، فاتفقا على أن يسير بعسكر كثيف إلى «أصطخر» للاستيلاء عليها، وقطع الطريق بين علي بن بويه وبين الخليفة، ولما تم لهما النصر في «الأهواز» رأى ابن بويه أن يصالح «مرداويج»، وتم الصلح بينهما في سنة 322ه. ولما فتح «مرداويج» بلاد الأهواز، فكر في السير إلى بغداد والقضاء على الدولة العباسية وإنشاء مملكة فارسية ساسانية مركزها «طيسفون»، وهي عاصمة الدولة الكسروية قبل الفتح العربي، وكان يقول: أنا أرد دولة العجم وأبطل ملك العرب.

2

ولكن عهد «مرداويج» لم يطل بعدئذ، فقتله مماليكه لسوء إدارته في «عيد السذق» سنة 323ه، وانهار بموته مشروعه، وقوي أمر آل بويه، فسيطروا على الري وأصفهان سنة 326ه، وما زال أمرهم يسمو حتى إن عليا فكر في احتلال بغداد، ولم يفعل ذلك آئنذ، ولكنه أخذ يعد عدته، فلما أنس ضعف الخلافة، ومات أمير الأمراء توزون، عظم طمعه بالاستيلاء على المملكة العباسية، وهو يومئذ أمير فارس وأخوه الحسن أمير على الجبال وأخوهما الصغير أحمد لا عمل له، فسيره علي إلى الأهواز فتملكها بعد حروب بينه وبين بجكم الرائقي، الذي انهزم إلى واسط، فرأى أحمد بن بويه أن يتآمر مع عامل واسط على احتلال العاصمة، وكان له ما أراد في 11 جمادى الأولى سنة 334ه/17 كانون الثاني سنة 946.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٣٠