تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

ولم تصر بعد لهذين المخدرين المكانة التي كانت لهما في أواخر القرن الرابع والقرن الخامس.

| عصر الانحلال الثاني

من سنة 320ه إلى سنة 422ه

الفصل الأول

| عرض موجز لشئون الخلافة وأحوال الخلفاء منذ عهد المقتدر إلى نهاية عهد الطائع

وقف بنا الكلام في عرضنا لشئون الخلافة وأحوال الخلفاء في الكتاب الأول عند مقتل الخليفة المقتدر، وقلنا إن مقتله كان بداية عهد الفوضى التي طغت على الدولة، وإن موجة الفتن والجراح التي طغت على جسم الأمة لم يلتئم جرحها بعدئذ.

والحق أن مقتل المقتدر كان فاجعة ضعضعت شأن الخلافة وزلزلت أركانها، ولما قتل المقتدر أخرج أخوه أبو منصور محمد القاهر بالله من السجن واستخلف، فوجد الخزائن خاوية والخلافة مزعزعة الأركان، وكان مهيبا مقداما على سفك الدماء، فأراد أن يجمع الأموال فصادر جماعة من رجال الدولة، وأمهات أولاد المقتدر وأم المقتدر، وعذبها عذابا مؤلما حتى استخرج منها أموالها، وساءت سيرته في الناس حتى كرهوه، وولى وزارته إلى اثنين عرفا بالبخل - مثله - وفساد السياسة وضعف الرأي، وقلة الخير، وحض الخليفة على سفك الدماء، وهما أبو جعفر الكرخي، وأبو علي بن مقلة، فساءت أحوال الدولة، وعم فساد الأجناد، وعمت الفوضى حتى حرض ابن مقلة الأتراك على خلع الخليفة فخلعوه سنة 322 وسملوا عيونه، ثم حبس وأفرج عنه، ثم أعيد إلى الحبس إلى أن مات في سنة 337ه.

ولما خلع القاهر سنة 322 استخلف أبو العباس محمد الراضي بالله بن المقتدر، وكان عالما أديبا شاعرا وسياسيا قادرا وحازما، فأراد إعادة عز الخلافة، وأحسن انتقاء رجاله، ووصل العلماء والعقلاء، وهو آخر خليفة عباسي كان للخلافة في عهده شيء من السلطان، قال ابن طباطبا في تاريخ الفخري (ص246): «ختم الخلفاء في أشياء، منها أنه آخر خليفة دون له شعر، وآخر خليفة انفرد بتدبير الملك، وآخر خليفة خطب على منبر يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الندماء، ووصل إليه العلماء، وآخر خليفة كانت مراتبه وجوائزه وخدمه وحجابه تجري على قواعد الخلفاء المتقدمين.» وهذه كلها أعراض لا طائل تحتها، أما الجواهر فكانت بيد القادة والوزراء وهم الذين يديرون الأمور دونه «ولا يقدر هو لضعفه أن يغيره، فتقسمت البلاد، وظهر الفساد، واسترجع الروم عامة الثغور، ووزر له كل فجور، وهم وزراء القاهر، فأفسدوا دولته وفرقوا كلمته.»

1

والحق أن أمور الدولة قد فسدت في عهده إلى حد بعيد، ويتجلى هذا الفساد في أمور، منها: أن ابن مقلة وزيره كتب إلى بجكم التركي يطمعه في الاستيلاء على بغداد، ولما علم الراضي بذلك قطع يده، ثم قطع لسانه حتى قرب بجكم من بغداد، ومنها أنه في سنة 322ه عظم أمر مرداويج صاحب أصفهان فعزم على إزالة الدولة العباسية، وقد اضطرب الراضي لهذا، ولكن الله كفاه إياه بعد أن تآمر عليه غلمان له وقتلوه، ومنها أن أمراء الأقاليم قد قطعوا كل صلة لهم بالعاصمة، فبلاد فارس في يد علي بن بويه، وأخوه الحسن بن بويه يسيطر على بلاد الري وأصفهان والجبل، والموصل وديار بكر وديار ربيعة ومضر في أيدي الحمدانيين، ومصر والشام تحت سلطان ابن طغج، وبلاد خراسان والمشرق بيد نصر بن أحمد الساماني.

ولما مات الراضي سنة 328ه استخلف أخوه أبو إسحاق إبراهيم المتقي بالله، وكان عابدا زاهدا كثير الصوم والصلاة منزها عن النقائص حسن الخلق، إلا أنه لم يكن عارفا بأساليب السياسة وإدارة الملك، فازدادت البلاد اضطرابا في عهده، وقوي نفوذ الأتراك والديالمة والوزراء، واضطربت الأمور في العاصمة واستولى عليها توزون الديلمي، فهرب الخليفة إلى الموصل بأهله وأمواله، ونهبت دار الخلافة، ثم كتب توزون إلى الخليفة يحلف له أغلظ الأيمان ويؤمنه على نفسه، وكان الأمير محمد بن طغج قدم إليه من حلب يقدم إليه الهدايا والأموال الجليلة، ويسأله أن يترك العراق إلى الشام ومصر، فأبى الخليفة ذلك، ثم قفل راجعا إلى بغداد، فتلقاه توزون وأعلن خضوعه ظاهرا، ثم إنه أوعز إلى طائفة من الديالمة أن يقبضوا عليه ويسملوا عينيه، ثم خلعه توزون سنة 333، ومات المتقي سنة 350ه، وفي عهد المتقي سيطر الحمدانيون على الجزيرة والشام كله.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٢٧