35
ولا شك في أن الحركة القرمطية قد فقدت كثيرا من نشاطها وحيويتها بعد انفصال حمدان عنها؛ فقد انتقلت الحركة إلى الشام بزعامة زكرويه الذي كان ذا مواهب عديدة وذكاء وهيبة، ولكنه مات عاجلا، فخلفه أبناؤه: يحيى، وأبو القاسم محمد، وأبو العباس الحسين، وأبو الفضل محمد الأصغر، وكانت الزعامة لأكبرهم، وهو يحيى، الذي ادعى أنه من نسل الإمام محمد بن إسماعيل وأنه صاحب معجزات، وإن له لآيات، وذكر أنه كان إذا أشار بيده إلى ناحية من النواحي التي فيها محاربوه انهزم أهل تلك الناحية فاستغوى بذلك الأعراب.
36
وقد قوي أمر القرامطة في عهده، ولما مات خلفه أخوه الحسين المشهور بصاحب الشامة، لشامة كانت في وجهه ادعى أنها آيته، وادعى أنه أحمد بن عبيد الله بن محمد بن إسماعيل، وأنه المهدي المنتظر، وقد اشتدت سيطرته في بلاد الشام، فبعث إليه الخليفة المكتفي سنة 290ه بجيش قائده أبو الأغر ففتك بجيش الحسين في وادي بطنان قرب حلب، ثم توجه الحسين إلى دمشق فصالحه أهلها على خراج يدفعونه إليه، ثم افتتح حمص وحماة والمعرة وسلمية التي كانت مقر القداحين وفتك بكافة أهلها حتى الأطفال، وضاق أهل الشام به، فاستنجدوا ببغداد، فبعث إليهم المكتفي القائد محمد بن سليمان الكاتب، على رأس جيش كبير، التقى بالقرامطة بين حماة وسلمية، فتفرق القرامطة وهرب أبو الشامة أول الأمر، ثم أسر وجيء به إلى بغداد، فقتل شر قتلة.
37
ثم خلفه أخوه أبو الفضل محمد الأصغر، فجمع جماعته وأخذ يغير على مدن الشام، وعاث في فلسطين فسادا، ثم دخل الصحراء بعد أن اضمحل أمره في الشام، وهكذا أخذت الحركة القرمطية تضمحل في الشام شيئا فشيئا.
ويمكننا أن نجمل ما عثرنا عليه فيما بقي من الآثار القرمطية أن عقيدتهم تدور حول النقاط الأربع الآتية: (1)
تنظيم أحوال الفلاحين وأرباب الصناعات الصغيرة ورفع مستواهم وتنظيم أمورهم المالية وتعاون بعضهم مع البعض الآخر، وإيجاد نقابات لهم. (2)
الانعتاق من قيود الدين الإسلامي وتقاليده . (3)
الانعتاق من فكرة النبوات على العموم. (4)
نشر الفلسفة المانوية واليونانية وما إليها، والاكتفاء بفكرة الإمام المستتر مما نجده واضحا في «رسائل إخوان الصفا» و«الرسالة الجامعة» للمجريطي.
38
وصفوة القول أن حركة القرامطة، حركة قامت في بيئة معينة لأسباب اقتصادية واجتماعية وعقلية، واتخذت المبادئ الاشتراكية سببا لتعميم نشاطها، ولكن لم يكتب لها الفوز لأن عمدتها كانوا بدوا مخربين.
الفصل الخامس
| الوضع الإداري والوزاري
كان الوضع الإداري والوزاري في عصر الانحلال هذا متقلقلا مضطربا تبعا للاضطراب العام في الدولة؛ فالخلافة ضعيفة، والناس في فوضى، وأصحاب الأغراض والمطامع يعملون في الخفاء على زعزعة أركان الدولة وتجزئتها، والقواد والوزراء وأصحاب الدواوين يتنازعون الأمر فيما بينهم، وقد تقدم الكلام في الفقرة الخامسة من الفصل الثالث، وفي الفقرتين الخامسة والسادسة من الفصل الرابع في الكتاب الأول من هذا الجزء عن شيء من هذه الفوضى الإدارية والوزارية، ونريد هنا أن نبين نبذة عن الوزراء وأعمالهم الإدارية وأحوالهم في خلال تلك الفترة؛ أي منذ عهد المتوكل إلى آخر زمن المقتدر. (1) عهد المتوكل
ابتدأ التصادم بين سلطة الخليفة ووزيره منذ عهد المعتصم؛ فقد ولى المعتصم وزارته لكاتبه قبل الخلافة، الفضل بن مروان، فتسلط هذا على الخليفة وعلى أموره كثيرا، قال صاحب كتاب «العيون والحدائق بأخبار الحقائق»، ص17: «فلما أفضت الخلافة إلى المعتصم صار الفضل هذا صاحب الخلافة والأمر والنهي والدواوين بحكمه.» ولم يكن الفضل سوى عامي لا علم عنده ولا معرفة، وكان رديء السيرة جهولا بالأمور،
1
ولما غضب عليه الخليفة وزر له أحمد بن عمار، وكان طحانا غنيا جاهلا بآداب الوزارة، قال عنه ابن طباطبا: «مكث مدة في وزارة المعتصم حتى ورد كتاب من بعض العمال يذكر فيه «خصب الناحية وكثرة الكلأ» فسأل المعتصم أحمد بن عمار عن «الكلأ»، فلم يدر ما يقول، فدعا محمد بن عبد الملك الزيات، وكان أحد خواصه وأتباعه، فسأله عن «الكلأ» فقال: أول النبات، يسمى بقلا، فإذا طال قليلا فهو الكلأ، فإذا يبس وجف فهو الحشيش. فقال المعتصم لأحمد: انظر أنت في الدواوين، وهذا يعرض علي الكتب. ثم استوزره، وصرف ابن عمار صرفا جميلا. وقد أعاد الزيات للوزارة عهدها الزاهر لفضله وعقله، ولكنه كان جبارا فظا مبغضا إلى الناس، وزر للواثق والمتوكل بعد المعتصم، وكانت خاتمته من أفجع الخواتم، وخلفه في الوزارة محمد بن الفضل الجرجرائي، وكان شيخا ظريفا منصرفا إلى الأدب والغناء مشهورا بهما، ولما ضاق الناس به وبلهوه عزله الخليفة وقال: ضجرت من المشايخ فأريد حدثا. فاستوزر عبيد الله بن خاقان، وكان كاتبا حاسبا، إلا أنه كان مخلطا كثير العيوب، ولكن كرمه غطى على ذلك، وفي عهده حسنت الصلات بينه وبين القادة، للتركية التي تجمع بينهما، ولما قتل الخليفة اجتمع الجند الأتراك على بابه، وحرسوه من أن يصيبه أي أذى.»