وقد حاول المعتز بالله أن يتخذ حرسا من عنصر جديد غير الأتراك، لعلهم يقفون في وجههم، فاتخذ حرسا من المغاربة، وأمر بإسقاط اسمي وصيف وبغا من قوائم القادة، وكتب بذلك إلى الأقاليم، ولكنهم استطاعوا أن يتغلبوا عليه وتآمروا مع الجنود المغاربة على خلعه، فدخلوا عليه باب حجرته وهو مريض، قد أخذ الدواء، فجروه برجله ثم خرقوا جسم المريض بالدبابيس وأقاموه في الشمس حتى مات عطشا بسر من رأى 255ه/869م، ثم ولوا بعده المهتدي بالله محمد بن الواثق، وكان متدينا ناهجا على منهج الخلفاء الراشدين، ورووا عنه أنه قال (كما في تاريخي النبراس، والفخري): إني أستحيي من الله ألا يكون في بني العباس مثل عمر بن عبد العزيز في بني أمية، وقد أراد أن يسير بالناس سيرة حسنة، ويعيد للخلافة مجدها، ويقضي على نفوذ الأتراك، فأمر بقتل زعيمهم «بايكباك» التركي فلما قتل هاجت الأتراك، ووقعت الحرب بينهم وبين المغاربة، وقتل من الفريقين عدد كبير، واشتدت الفتنة حتى خرج المهتدي فيها والمصحف في عنقه، وهو يدعو الناس إلى نصرته والقضاء على الأتراك المتغلبين، وقد أبلى الجنود المغاربة والفراغنة في ذلك بلاء حسنا، ولكن القائد «طببغا» أخا «بايكباك» استطاع أن يتغلب عليهم، وانهزم الخليفة والسيف في يده وجراحه تسيل دما، فلحق به بعض الأتراك وقتلوه شر قتلة وولوا مكانه المعتمد بن المتوكل سنة 256 وكان ضعيفا.
وفي تلك الأيام طمع أصحاب المطامع بالاستقلال بالأقاليم لما رأوا ما في العاصمة من الفوضى والاضطراب، فقويت في نفوسهم فكرة القيام بالثورات؛ ففي سنة 249 ثار عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي في الكوفة، واجتمعت إليه الزيدية ودعا إلى «الرضا من آل محمد». وفي سنة 250 ثار الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن علي في طبرستان ، فتملكها، كما تملك جرجان إلى سنة 270، ثم قام أخوه محمد بن زيد من بعده فضم إليه مملكة الديلم أيضا، وبقي يحكمها إلى أن قضى عليه السامانيون سنة 287. وفي سنة 255 كانت ثورة صاحب الزنج التي أقلقت بال الخليفة، وقلقلت أركان الدولة وكاد الثوار أن يفوزوا على جيش الخليفة، ولكن أخا الخليفة الموفق طلحة استطاع سنة 270ه/883م أن يقضي على تلك الثورة التي دامت أكثر من أربع عشرة سنة، وتركت وراءها ويلات وآثارا مخيفة من التدمير والفساد.
1
ولما مات المعتمد بالله سنة 279ه تولى الأمر المعتضد أحمد بن الموفق بن المتوكل، وكان فتى شجاعا نبيلا عاقلا حازما، ولكنه ولي الأمر والدنيا خراب والثغور مهملة، فقام قياما مرضيا، حتى عمرت مملكته، وكثرت الأموال وضبطت الثغور، وكان قوي السياسة، شديدا على أهل الفساد، حاسما لمراد أطماع عساكره عن أذى الرعية ... وكانت أيامه أيام فتوق وخوارج كثيرين، منهم: عمرو بن الليث الصفار الذي كان قد عظم شأنه واستولى على أكثر بلاد العجم
2
كما سنرى تفصيل ذلك بعد.
ولما مات المعتضد سنة 289 تولى الأمر ابنه المكتفي بالله، وكان من أفاضل الخلفاء، وقد أراد أن يعيد للخلافة عزها، ولكنه لم يفلح؛ ففي أيامه خرج القرامطة، وكانت فتنتهم عظيمة، لقي الإسلام بها بلاء جسيما. وفي أيامه استقر الأمر للدولة الساسانية في بلاد خراسان، فاقتطع جزء كبير من أملاك الخلافة، ولما مات المكتفي سنة 295 تولى الأمر بعده المقتدر بن المعتضد، وكان فتى لم يتجاوز الثالثة عشرة، وقد أثار توليه الخلافة - وهو غير بالغ - بعض الاضطراب بين أهل الرأي، وانقسم الفقهاء والمحدثون في جواز ذلك أو عدمه،
3
ولم ينته هذا الاضطراب إلا بعزله وتولية عبد الله بن المعتز، ولكنه لم يلبث إلا يوما وليلة، ثم استطاع أنصار المقتدر، وعلى رأسهم القائد «مؤنس» المظفر أن يعيدوه إلى دست الخلافة، وفي أيام المقتدر قوي شأن القرامطة وضعف شأن الخلافة ضعفا لا مزيد عليه؛ فقد كان شابا غرا لا يعرف شيئا من الكياسة ولا السياسة، وكانت تدير الأمر أمه السيدة «شغب» وقهرمانة (ثمل)، فهما اللتان كانتا تقومان بشئون الدولة، وتأخذان الرشى، وهو لاه ساه كما كان مواليه من الأتراك، كمؤنس ومحمد بن ياقوت هم الذين يدبرون الدولة، والحق أن أيامه كانت أسوأ عهد مرت به الدولة العباسية منذ تأسيسها؛ لأن النساء والخدم والأشرار كانوا هم المسيطرين، وقد استمرأ هؤلاء الأشرار لذة الحكم في عهد هذا الصبي الذي انصرف - حتى بعد أن بلغ سن الرشد - إلى اللهو والإسراف والانغماس في الشهوات، ومن سوء حظ الأمة أن عهده قد دام طويلا، فاستشرى الفساد، وأخذ الوزراء والكتاب والقادة يتناطحون ويتآمرون، حتى عم البلاء وانتشر الشر ووقعت الفتنة في البلاد داخلها وخارجها، وكان خاتمة ذلك كله مقتل الخليفة سنة 320ه/932م، وبقتله عمت الفوضى، وطغت على الدولة العباسية موجة فتن وجراح لم تلتئم إلا بعد فترة طويلة.