تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

ومن المشاكل الاجتماعية التي منيت بها الجزيرة في هذه الحقبة: مشكلة التدخين، فقد انقسم الناس في شأنه ما بين محلل ومحرم، وبلغ أمره إلى الأشراف، وأخذ بعضهم يستغل أمره، ويرهق الناس بسببه، ومن هؤلاء الشريف مسعود فقد قرر في سنة 1155ه أن يحرم على الناس تعاطيه في المحلات العامة وبيوت القهوة، وأمر رجاله أن يقبضوا على كل من يرونه يدخن ويضعوه في الأطواق والحديد والسلاسل، وقد اختلف الفقهاء والناس في سبب تشدد الشريف مسعود بأمره، فقال بعضهم: إنه إنما فعل ذلك لأن شربه حرام، وقال آخرون: إنه فعل ذلك وإن لم يكن محرما؛ لأنه انتشر انتشارا عظيما وتعاطاه الناس والسوقة والأراذل والأسافل، وكانوا لا يرفعونه إذا مر عليهم الشريف أو العالم أو الفاضل؛ فلذلك أمر بعدم التظاهر بشربه لذلك،

9

وقد انقسم الفقهاء في أمره؛ فذهبوا إلى مذاهب متناقضة فحرمه بعضهم، وأباحه بعضهم، وكرهه آخرون، وقد وقعت بسببه مشاكل وفتن في الحجاز، بل وفي بعض أجزاء العالم الإسلامي، وأكثر هذه المشاكل وقوعا في الحجاز فقد كان الأشراف يعتقدون بأن لهم سلطانا روحيا وقداسة دينية، وأنهم حماة الشرع، وأنهم أصحاب التحليل والتحريم؛ فلذلك حرمه بعضهم، فقامت طائفة من الفقهاء ترد عليهم وتبين خطأهم حتى قال بعض الفقهاء: من أين جاءوا بهذه الأقوال، ولفقوا هذه الأقاويل، وما أشبههم بقوله تعالى:

ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون .

والحق أن الأشراف قد أخذوا في تلك الحقبة يسمون بأنفسهم عن مصاف البشر، ويضعون طبقتهم في مواضع لا يقرهم عليها شرع ولا يوافقهم فيها كتاب ولا سنة، ومن أغرب هذه الأمور ما رواه لنا المؤرخون من أن أحدهم كان إذا مات طاف به الأشراف سبعة أيام حول الكعبة وهو محمول على أعناق الناس، ثم يلحدونه ويبنون فوقه قبة يحجون إليها،

10

وما ندري من أين جاءوا بمثل هذه البدع السخيفة التي لا يقرهم عليها شرع ولا عرف، ولكنهم قوم أحبوا أن يتساموا عن طبقة الناس فاخترعوا لأنفسهم هذه الأباطيل؛ ليوهموا العامة أنهم من طينة غير طينتهم، ولم يكتفوا بما وقر في نفوس الناس لهم من الحب والاحترام، وكفاهم شرفا أنهم من نسل الإمام علي عليه السلام ومن البضعة النبوية الطاهرة. •••

أما الحالة الثقافية في الجزيرة العربية، فمن المعروف أن أكثر بلاد الجزيرة فقير قاحل يجلب إليه كل ما يحتاج، ويعتمد في حياته على ما يأتيه من الخارج، والجزيرة مقسمة طبيعيا إلى ثلاثة أقسام:

أولها:

القسم الغربي، ويشتمل على الحجاز واليمن، أما الحجاز: فمن أشد بلاد الجزيرة فقرا وحرا إذا ما استثنينا مدينتي الطائف والمدينة المنورة، فإنهما نديتان بالحدائق النضرة والبساتين المثمرة، وأما اليمن: فهي بلاد العرب السعيدة، وأغنى الجزيرة خصبا وخيرات ومعادن.

وثانيها:

القسم الجنوبي، ويشتمل على بلاد حضرموت وعمان، وهي بلاد جبلية فيها بعض الأودية الصالحة للزراعة، والسواحل الغنية بالأسماك والدر.

وثالثها:

القسم الشرقي، وينتظم بلاد البحرين والأحساء والكويت، وهي بلاد حسنة فيها بعض الأراضي الزراعية، وبخاصة النخيل، وفيها مغاصات للدر ومصايد للأسماك.

أما قلب الجزيرة، فهو قسم من بلاد الحجاز وبلاد نجد، وهو على الأغلب تلال بركانية ومرتفعات رملية وصحاري مقفرة يتخللها بعض الواحات، والجزيرة العربية كثيرة الصحاري المقفرة الموحشة، وأكبر هذه الصحاري الربع الخالي والجوف والدهناء والنفود، وقد أثرت هذه الصحاري المقفرة والأقاليم القاحلة في حالة السكان، سواء من حيث الزراعة وما إليها، أو من حيث الحضارة وأسبابها، كما أثر هذا المناخ على الناس فأصبح أكثرهم بدوا رحلا، وانصرف الحضريون منهم عن العلم والأخذ بأسباب الثقافة لخشونة العيش وصعوبة الحياة، ولولا ما كان يجلبه موسم الحج أو ما تصدره الجزيرة وبخاصة اليمن ونجد وبعض مدن الحجاز من اللؤلؤ والخيول والنخيل والثمرات لعاش أهل هذه البقعة من الأرض في ضنك ما بعده ضنك.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٨١