تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد استمرت هذه العمالات والوظائف الكبيرة بيد صدور عراقيين في عهد الوزير ابن العلقمي (؟-656ه) وكان عهده جد قصير، فلما هلك وأسندت الوزارة إلى علاء الدين الجوني الفارسي انقطعت هذه الوظيفة وأكثر الوظائف الكبيرة عن العراقيين وصارت للمغول أو لمن هم في حكمهم من صنائعهم ومماليكهم من الإيرانيين والتركمان الذين كانوا يعملون بإخلاص على توطيد الملك للمغول وشد أزره، وكان أكثرهم من القساة الغلاظ الجفاة الذين أذاقوا البلاد ويلات شدادا وهدموا معالم الحضارة فيها، وأحلوا الأنظمة المغولية والطقوس الأعجمية محل الأنظمة العربية والطقوس والتقاليد والتراتيب العربية.

ولم يقتصر عمل الدولة المحتلة على محو التراث العربي القديم وتراتيبه الإدارية، بل حاولت إفقار الناس حينما فرضت عليهم أن يتعاملوا بعملة من المعادن الرخيصة بدل العملة الفضية والذهبية التي أخذت الحكومة المغولية تجمعها وتبدلها بالعملة الرخيصة الجديدة التي ضربتها، وقد كانت هذه الفعلة تتكرر كل خمس سنوات أو عشر، ففي سنة 666ه أيام السلطان أباقا أمر بضرب فلوس من المس وهو أردأ النحاس ليتعامل بها الناس، وجعل كل أربعة وعشرين فلسا بدرهم، ثم في سنة 682ه أبطلت الفلوس النحاسية وضربت عوضها فلوس جديدة من الفضة، وجعل كل اثني عشر فلسا بدرهم وسموها دناكش، ثم أبطلت في سنة 683ه وأعيدت الفلوس المس، وتعامل الناس بها كل ثلاثين فلسا بدرهم، وتضرروا أضرارا بالغة، وفي سنة 684ه أبطلت الفلوس المس وتعطلت أمور العالم لذلك، وبطلت معايشها، وضربت دراهم غيرها وقرر سعرها ثمانية مثاقيل بدينار، واختلفت قيمة الدراهم الأولى، فكان منها كل عشرة مثاقيل بدينار، ومنها اثنا عشر مثقالا بدينار، فذهب من الناس شيء كثير ... ثم غلت الأسعار فبلغ الكر من الحنطة مائة وعشرين دينارا وكر الشعير مائة دينار،

1

وفي سنة 698ه حينما دخل غازان إلى العراق أمر بالإحسان إلى الرعية، وزاد في العدل والرأفة بهم، وأمر أن يصفى الذهب والفضة من الغش ويبالغ في ذلك، وتضرب الدراهم متساوية الوزن؛ ليتعامل بها الناس عددا، ويكون وزن الدرهم نصف مثقال، وعملت دراهم وزن الدرهم ثلاثة مثاقيل، وضرب من الذهب أشياء مختلفة الوزن خمسة مثاقيل، وثلاثة مثاقيل، ومثقالان، ومثقال، ونصف مثقال، وربع مثقال، وأمر أن يعمل ذلك في جميع الممالك، فعمل وانتفع الناس به،

2

ولكن هذا العدل لم يدم طويلا فقد أمر بتغيير التعامل بهذه العملة بعد فترة، واغتم الناس لذلك غما كثيرا، وزيفت العملة من جديد، وزاد في البلاء أن جماعة من اليهود وغيرهم قد أخذوا يزيفون العملة، وينشرونها في الأسواق، ففي سنة 678ه نسب إلى جماعة من أهل بغداد ويهودها أنهم زيفوا العملة، فأخذ بعضهم وضرب فأقر على جماعته، ومنهم حيدر بن الأيسر وكان من أعيان البلد المتصرفين، ومنهم ابن الأخضر الذي كان ينقش العملة، فأمر الصاحب عطاء ملك الجوني بقطع أيدي جماعة منهم ابن الأخضر، وقرر على ابن الأيسر مالا مسمى فأداه، ومما زاد في الطنبور نغمة أن أمراء المغول وأذنابهم أظهروا في سنة 693ه عملة ورقية نقدية سموها الچاو، بالجيم الفارسية المثلثة، وهي نوع من الورق المستطيل الشكل وضعوا عليه نقش «تمغة» السلطان أي شعاره، وكتبوا عليها كلمتي الشهادة، وأمروا الناس أن يتعاملوا بها،

3

وقد ضاق الناس بهذه العملة ذرعا، وحملت عدة أحمال منها من تبريز إلى العراق ليتعامل الناس بها، فامتنعوا أول الأمر، ثم ألح السلطان عليهم وكاد الأمر أن يؤدي إلى ثورة، فرجع السلطان عن ذلك مؤقتا، ثم أكرههم على استعمالها في سنة 697ه، وأصابهم بذلك ضرر كبير حين كان يستبدل الورق بالذهب والفضة؛ فبطلت كثرة المعاملات وتعطلت الأمور، وكان الناس إذا أرادوا شراء أقواتهم دفعوها إلى الخبازين أو القصابين، ووضعوا تحتها العملة الفضية أو الذهبية فيأخذها الخباز أو القصاب وغيرهما، ويأخذ صاحب الحاجة حاجته خوفا من أعوان السلطان.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٦٨