تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

وقد عقد السلطان عدة معاهدات سياسية مع بعض ملوك الصليبيين والعثمانيين، كما أنه حارب التركمان ملوك العراق، وقضى على هجماتهم المتعاقبة على الشام، والحق أنه كان من أعظم ملوك المماليك عامة، قال بعض المؤرخين: «إن الملك الأشرف برسباي أحد الملوك الشراكسة، وأجدرهم بالمدح؛ لأنه كان أعلاهم همة، وأشدهم عزيمة، وأكثرهم تدربا في الأحكام»،

2

وقد استمر في حكمه نحوا من ثمانية عشر سنة كان أكثرها عهد يمن وخير، وفي سنة 841ه/1437م مات وخلفه ابنه أبو المحاسن يوسف الملك العزيز، وله من العمر خمسة عشر عاما، ولم يلبث إلا ثلاثة أشهر حتى ثار عليه المماليك بزعامة سيف الدين جقمق «أتابك» الجيش، وخلعوه وولوا زعيم الجيش جقمق في سنة 842ه/1438م فكان أول عمل قام به بعد أن أخضع الثوار المماليك في الشام أنه بعث بحملة قوية على القرصان الفرنجة الذين كانوا يهاجمون السواحل الشامية والمصرية، كما لقيت جزيرة رودس من الأسطول المصري في عهده ما لقيته جزيرة قبرص في عهد برسباي، وكانت صلات جقمق حسنة مع سائر الممالك الإسلامية المجاورة في فارس والعراق وآسية الصغرى، كما أنه كان محبا للعلم وأهله ولإشادة دوره ومعاهده، وقد ازدهرت التجارة في عهده، ولما أحس بالشيخوخة طلب من الخليفة والأمراء المماليك أن يعفوه من السلطنة ويقبلوا تنازله لابنه عثمان فقبلوا، ونودي بعثمان سلطانا على مصر والشام في سنة 857ه/1453م ولم يلبث سوى أيام مات بعدها.

ولما تولى عثمان تلقب بالملك المنصور، وقد ابتدأ عهده بالقسوة وسلط مماليكه على الناس فلقوا منه بلاء عظيما، وثار الخليفة عليه فخلعه وولى الأمير إينال قائد الأسطول، ولقبه بالملك الأشرف، وكان رجلا مدربا حاذقا، فشرع منذ تولي السلطنة بترتيب أمور المماليك وتنظيم شئون البلاد، ولكنه فوجئ بثورة أهلية دبرها الخليفة القائم بأمر الله الذي كان يطمع في السلطنة، ولكنه استطاع أن يقضي على الثورة وينفي الخليفة، وساءت حالة البلاد وتدهورت، وظلت على ذلك إلى أن مات في سنة 865ه/1460م فخلفه ابنه الشهاب أحمد الملك المؤيد، واستبشر الناس به خيرا؛ لأنه كان فتى قويا حازما تمرس بالملك والإدارة في عهد أبيه، وكان له من العمر ثلاثون سنة، فقام بالإصلاح، وقضى على المماليك المفسدين، فتكاتفوا ضده بزعامة أميرهم خوش قدم الرومي صاحب دمشق، وحاصروه في قصره، واضطروه إلى أن يخلع نفسه بعد أربعة أشهر من سلطنته ونفوه إلى الإسكندرية سجينا، وتسلطن خوش قدم، وتلقب بالملك الظاهر، وكان قويا فانصرف إلى ترتيب شئون الإدارة، وإقصاء العناصر الفاسدة عن الدواوين، وتخليص الدولة من المماليك المشاغبين وفي طليعتهم المماليك الظاهرية الذين كانوا قد ملئوا البلاد فوضى، وعلى رأسهم جاني بك، ثم استطاع أن يلقي القبض على جاني بك وقتله ظانا أن البلاد ستصفو من الدسائس، ولكن شيئا من ذلك لم يقع، واستمر الفساد لوجود زمر أخرى من المماليك كانوا ينشرون الفوضى والرعب في البلاد.

وهكذا فسدت الأحوال الإدارية وتبعتها الأحوال الاقتصادية، فرأى أن يجهز بعض الحملات العسكرية لعله يشغل المماليك بها ويقصيهم عن البلاد؛ فبعث عدة حملات إلى جزيرة قبرص، ولكن ذلك لم يفد، إلى أن وافاه أجله في سنة 872ه، فلما مات عمد كبار المماليك وزعماؤهم إلى تولية الأمير أبي سعيد بلباي ولقبوه بالملك الظاهر في سنة 872ه/1467م فاستبد بالناس والمماليك، وحاولوا خلعه بعد شهرين فلم يستطيعوا أول الأمر، ثم تمكنوا من تولية الأمير أبي سعيد تمربغا الظاهري، ولقبوه بالملك الأشرف أيضا، ولم يبقوه إلا نحوا من شهرين أيضا لسوء سيرته، فخلعوه، وولوا الأمير «قايتباي» الظاهري، وكان هذا رجلا حازما قويا يملك عددا كبيرا من المماليك استطاع بهم أن يقضي على نفوذ منافسيه ويخضد شوكة الأحزاب المتناحرة حتى استتب له الأمر فشرع في تقوية الجيش، فقد بلغه أن السلطان محمد الثاني العثماني قد قهر الملك السلطان حسن الطويل صاحب فارس، وكان بين المصريين وبين الفرس اتفاق وتحالف، وتأكد أن العثمانيين لا بد أن يفاجئوه ويهاجموا الشام، فبعث بحملة قوية رابطت في الحدود الشامية الشمالية، وحدث في تلك الأثناء أن اختلف ابنا محمد الثاني العثماني على السلطنة وهما «بايزيد الثاني» و«جم»، واضطر «جم» إلى أن يلتجئ إلى «قايتباي»، فأكرم وفادته، وأرسل إلى قائد الحملة المصرية المرابطة على الحدود الشامية أن يناجز الجيش العثماني، فاستولى على طرسوس وآذنة وما حولهما، وانكسر الأتراك العثمانيون أمام الجيش المصري، وأسر المصريون قائد الأتراك أحمد خان صهر السلطان «بايزيد» أسيرا إلى القاهرة، فاستشاط «بايزيد» غضبا، وجند جندا كثيرا بقيادة علي باشا للزحف على المصريين، وتم له ذلك في سنة 893ه، فلما علم «قايتباي» بذلك خاف مغبة الأمر فأطلق سراح الأمير أحمد خان، وبعث به على رأس بعثة لعقد هدنة بينه وبين السلطان العثماني، فرفض «بايزيد»، وصمم على محاربة «قايتباي» فاسترد مدينتي طرسوس وآذنة، ولكن المصريين عادوا فاستطاعوا أخذ المدينتين ثانية بعد حرب طاحنة، وخشي «قايتباي» أن تتأزم الحالة بينه وبين العثمانيين، فترك المدينتين، وكتب إلى «بايزيد» يطلب إليه أن يهادنه فتم له ذلك في سنة 896ه.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٤٣