تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما مات قلاوون تولى الملك بعده ابنه السلطان صلاح الدين خليل 689ه/1290م وتلقب بالملك الأشرف، وكان سلطانا حازما جهز في سنة 690ه . حملة بقيادته على الصليبيين في عكا التي كانت الحصن الحصين الوحيد الذي بقي بيد الصليبيين، فدكه وشرد جموعهم على الرغم من نجدة أهالي جزيرة قبرص لهم،

2

وعلى أثر سقوط عكا خاف الصليبيون من المسلمين على أنفسهم؛ فتركوا سائر قلاعهم وحصونهم في بيروت وصيدا وصور، وفر قسم كبير منهم من البلاد، وعاد السلطان إلى القاهرة ظافرا وبين يديه آلاف من الأسري الصليبيين، وبسيفه البتار قضى عليهم قضاء مبرما، ولم ترتفع لهم عقيرة بعدئذ.

ثم وجه السلطان خليل همته إلى قتال المغول؛ ففي سنة 692ه اتجه نحو حلب ومنها إلى آسية الصغرى حيث أعمل السيف فيهم وفيمن معهم من الأرمن، وفتح بلاد أرزن الروم، وذاع صيته في البلاد الشمالية والشرقية كلها وهابه الناس، ثم رجع إلى القاهرة، ولم يلبث طويلا حتى فاجأه أحد المماليك بضربة خنجر أردته قتيلا في سنة 693ه/1293م ونادى هذا القاتل - وكان اسمه بيدار - بنفسه سلطانا، وتلقب بالملك القاهر، فلم يلبث إلا يوما واحدا حتى قتله أحد مماليك السلطان خليل، وبايعوا أخاه محمد بن قلاوون ملكا ولقبوه بالملك الناصر، وكان هذا فتى لم يتجاوز التاسعة من سنيه، فأقاموا الأمير زين الدين كتبغا قيما عليه و«أتابكا»، وكان من مماليك أبيه، ولكنه لم يلبث أن خلع الناصر ونفاه إلى الكرك، ونادى بنفسه سلطانا، وتلقب بالملك العادل في سنة 694ه/1294م، وفي عهده أصابت الديار المصرية مصائب عظام من طاعون وقحط وبؤس، وهلك من أهلها خلق كثير لسوء إدارته، وكانت ثالثة الأثافي في عهده حادثة العويراتية وهم قبيلة من المغول فرت من بلادها لاجئة إلى الديار الشامية، فلما بلغ خبرها إلى كتبغا استقدم أكابرها إلى مصر؛ لأنهم من جنسه، وكانوا نحوا من ثلاثمائة رجل، فأنعم على رئيسهم طرغاي برتبة عالية وعليهم، ومكنهم من وظائف الدولة فعاثوا فيها فسادا حتى قال محمد بن دينار الشاعر يصف حالة البلاد بسببهم: ربنا اكشف العذاب عنا فإنا

قد تلفنا في الدولة المغلية

جاءنا المغل والغلا فانسلقنا

وانطبخنا في الدولة المغلية

ولكن السلطان سكت عنهم وشجعهم على الرغم من كل أعمالهم الظالمة، فغضب أهالي مصر وكثير من أمراء المماليك، وثاروا على السلطان وجماعته المغول، فاضطر إلى الهرب والنجاة بنفسه، وذهب إلى دمشق، ولكنه فوجئ بأن نائبه فيها الأمير حسام الدين لاجين قد خلع طاعته، ونادى بنفسه سلطانا، فأذعن له، وأشهد على خلع نفسه، ثم إن لاجين نادى بنفسه سلطانا على مصر والشام في سنة 696ه/1296م وتلقب بالملك المنصور، وسمح لكتبغا أن يقيم في صلخد، وأمسك طرغاي وكثيرا من أمراء العويراتية وسجنهم في الإسكندرية، ثم انصرف إلى تنظيم شئون البلاد، ومحو كثير من الضرائب الظالمة، وتقوية الجيش حتى تمكن من تسيير حملة قوية إلى آسية الصغرى فتحت بلاد «سيس» وآدنة.

وفي سنة 698ه/1299م بعث الأمير قفجاق على رأس فرقة عسكرية إلى حلب، فقد بلغه أن المغول ينوون مهاجمتها، وسارت الحملة إلى حلب، ولكن الأمير قفجاق تآمر مع المغول، وانضم إلى ملكهم غازان ، فغضب السلطان من مقلته اللئيمة هذه، وعزم على التوجه بنفسه إلى حلب، ولكن بعض أنصار الأمير قفجاق انقض عليه وقتله وهو يلعب بالشطرنج في أواخر تلك السنة، ثم تولى الأمير سيف الدين طقجي على السلطنة، وتلقب بالملك القاهر، ولم يلبث إلا يوما واحدا؛ إذ قتله أنصار الملك الناصر بن قلاوون، وأعادوا صاحبهم من منفاه في قلعة الكرك تلك السنة 698ه وكان عمره خمس عشرة سنة فسلطنوه، وأقاموا أحدهم الأمير سلار المنصوري نائبا للسلطنة، كما أقاموا الأمير بيبرس الجاشنيكر رئيسا للقصر، واشتد التنافس بين هذين، وكادت الفتنة أن تقع بينهما لولا أن الخطر المغولي داهم البلاد، فإن غازان عاد من جديد يريد الاستيلاء على الشام فلاقته جيوش مصر سنة 698ه عند مدينة سلمية، وكان عدد المغول نحوا من مائة ألف مقاتل، والجيش المصري يبلغ ثلث هذا العدد، فدحر الجيش المصري بعد أن أبلى بلاء حسنا.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٣٨