تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

أنه قال: لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ...» ولما بلغت هذه الرسالة القاهرة اضطربت شجرة الدر، وأخذت فكرة التملك تخامر نفوس نفر من كبار المماليك، كما عزم قوم منهم على تولية بعض بقايا الأيوبيين، فاختاروا الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز صاحب حلب، ولكنهم لم يفلحوا في ذلك واستطاع جماعة الأمير عز الدين أيبك أن يكرهوا شجرة الدر على التنازل لأيبك، فتنازلت له على أن يتزوجها، وكان لها ما أرادت، ونودي بالأمير عز الدين أيبك الجاشنيكر المملوك التركماني الأصل ملكا على البلاد في آخر ربيع الثاني سنة 648ه، ويظهر أن هذا الحل لم يرق سائر المماليك؛ فاجتمع رؤساؤهم أمثال: فارس الدين آق طاي، وركن الدين بيبرس، وسنقر الرومي، وعزموا على أن يولى الأمر إلى أحد الأمراء الأيوبيين على أن يكون أيبك «أتابكا» للمملكة، واختاروا لذلك الملك الأشرف الأيوبي، وكان فتى لم يتجاوز العشرين من عمره، فخطب لهما على المنابر معا، هذا سلطان وذاك أتابك، والحل والربط لا لهذا ولا لذاك؛ بل لشخص ثالث هو السيدة شجرة الدر.

هذا ما كان من أمر السلطنة في ديار مصر، أما في الشام فإن الملك الناصر صاحب حلب أخذ يعد نفسه للاستيلاء على الشام، فزحف إلى دمشق واستولى عليها، وجمع حوله من بقي من أمراء الأيوبيين؛ لمعاونته في استعادة ملك مصر، وكتب إلى الملك لويس التاسع المقيم في عكا يستمده العون على المصريين، ويعده أن يسلمه بيت المقدس إذا ما تم لهما النصر ، فانتهز لويس هذه الفرصة، وكتب إلى مصر يهدد مماليكها بأنه سينضم إلى الملك الناصر إذا لم يجيبوه إلى عقد معاهدة صلح جديدة تتضمن البنود الستة الآتية: (1)

إلغاء معاهدة «المنصورة» التي أطلق بموجبها الملك لويس من أسره. (2)

إعادة الأطفال الفرنسيين والنصارى الذين أكرهوا على اعتناق الإسلام إلى دينهم. (3)

إعادة رءوس النصارى الصليبيين التي كانت مطمورة في متاريس القاهرة. (4)

إلغاء مبلغ المائتي ألف دينار التي يتعهد الملك لويس بدفعها بعد فكاك أسره كل سنة. (5)

أن تعاد إليه مدينة القدس. (6)

اتفاق الجيشين الصليبي والمملوكي ضد الملك الناصر.

ولما وصل رسوله بكتابه إلى القاهرة وجد المماليك فيها أن لا مندوحة لهم من قبول هذه البنود وعقد هذا العقد فقبلوه، ويظهر أن أمر هذه المراسلة بين المماليك وبين لويس قد علم بها الناصر؛ فبعث بجيش كبير حال دون التقاء الجيش الصليبي بالجيش المملوكي، ثم توجه لقتال المماليك، فالتقى بهم في غزة، ثم في بلبيس، وكادت الدائرة تدور على المماليك، ولكنهم ظفروا أخيرا على الملك الناصر وأصحابه، واضطر أن يخضع لهم، وأن يعود إلى بلاد الشام، وألا يتعدى حدود الأردن، وصفا الملك بعدئذ لمعز الدين أيبك، فخلع الملك الأشرف موسى، واستأثر بالملك دون سائر المماليك، وأخذت نفسه تتعاظم وتستعلي حتى على شجرة الدر، فلم تطق احتمال ذلك، وأمرت بعض جواريها ومماليكها فقتلوه وهو في الحمام، وبلغ خبر اغتياله إلى أصدقائه وزملائه من المماليك، فاحتالوا على شجرة الدر وعملوا على قتلها وتولية الأمير علي بن معز الدين أيبك ولما يبلغ الخامسة عشرة في سنة 655ه/1257م وسموا الأمير قطز «أتابكا» عليه ونائبا للسلطنة، وكان قطز داهية؛ فساس البلاد خير سياسة، وفي عهده كان الهجوم التتري على بغداد، ولما بلغت مصر أخبار التتار وأعمال هولاكو وما فعله بالخليفة وبالعاصمة الإسلامية، وما يبيته لمصر والشام رأى الأمراء المماليك وجوب تمليك رجل قوي على العرش؛ فاختاروا قطزا، والتفوا من حوله.

تولى الملك المظفر سيف الدين قطز عرش مصر والشام؛ فعمل على توطيد أركان الأمن في البلاد، والقضاء على الفوضى ومسببيها، ورأى أن العدو الأول الذي يجب القضاء عليه هو أولئك الشذاذ من الصليبيين الأوروبيين الذين أزعجوا البلاد، وتبين له أن أول ما يجب عمله هو أن يردم مصب النيل من جهة دمياط؛ ليعيق مراكبهم من العبور في مياهه التي كانوا يحتلون الشواطئ المصرية عن طريقها، ثم إنه أتم تخريب أسوار المدينة التي كان المماليك قد هدموها في أيام الملك أيبك سنة 648ه خوفا من مسير الإفرنج إليها، ومحيت بروج المدينة وأسوارها وما فيها، ولم يبق منها إلا جامع يعرف بجامع الفتح وبعض غرف للفقراء، ثم انصرف إلى تحصين القاهرة، وترتيب أمورها، والعناية بحالة البلاد عامة، وبينا هو منشغل بهذا العمل جاءه رسول هولاكو بكتاب ينذره فيه بزحفه، ويحذر الذين يخالفون أمره أن يصيبهم ما أصاب أهل بغداد، ومما قال فيه: ... ويا أهل مصر أنتم قوم ضعاف، فصونوا أنفسكم ودماءكم مني، ولا تقاتلوني فتندموا.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٣٥