5
وفي سنة 1174ه قتل أسعد باشا العظم، وضبطت الدولة العثمانية داره وأمواله، وأخبر مولاه عثمان آغا الكرجي عن ذخائره المخبوءة، فأنعمت الدولة عليه برتبة الباشوية وبتولي دمشق، فتولاها إحدى عشرة سنة، وسار بالناس سيرة حسنة، وفي هذه الفترة ظهر في ديار الشام رجل قوي ذو مطامع وهو الشيخ ظاهر العمر، عهد إليه والي صيدا بجمع الضرائب؛ فقسا على الناس في جمعها، وهابوه فقوي نفوذه، فجمع شيوخ المتاولة والأعراب من حوله، وأغدق عليهم المال فأحبوه، وعظم سلطانه فسمت نفسه إلى الولاية، وطرد والي عكا، ثم والي صيدا، وأخذ يسعى سرا للاتصال بالدولة الروسية، فاتصل بها وحالفته ضد الدولة العثمانية، وأغرته على الاستقلال بالشام كله، وطرد بقايا الولاة العثمانيين، فأخذ يعد لذلك عدته، ويعمل على طردهم من الشام، وضاق عثمان باشا الكرجي والي دمشق به ذرعا، واستنجد بأمير مصر علي بك، وجرت بين الطرفين معارك عنيفة استمرت إلى سنة 1185ه واستولى الجيش المصري بقيادة أبي الذهب على جميع البلاد الشامية من الجنوب حتى حلب، وعظم نفوذ الشيخ ظاهر إلى أن وقع الخلاف بينه وبين المصريين، واضطر أبو الذهب أن يرجع إلى مصر، فاغتنم عثمان باشا الكرجي هذه الفرصة، وأعاد الكرة على الشيخ ظاهر فكسره وكاد أن يفتح عكا، ولكن الشيخ ظاهر وجماعته استطاعوا أن يطردوه عن مدينتهم، ولما استقرت الأمور للشيخ ظاهر كتب إلى علي بك صاحب مصر يخبره بسوء حالة أبي الذهب وخيانته، ثم كتب إلى الإمبراطورة كاترينة ملكة روسية يطلب إليها أن تنجده بأسطول يحارب به الأسطول العثماني، فبعثت إليه بمراكب عسكرية استطاع الشيخ ظاهر أن يحاصر بها الأسطول العثماني، فكسره شر كسرة، وفتكت المراكب الروسية بمدينتي بيروت وصيدا، وأحرقت قسما من الساحل السوري، وهدمت كثيرا من أبراجه بمدافعها الثقيلة حتى ضاق الناس بما حل ببلادهم، واستسلموا للمراكب الروسية، وترك كثير من أهالي بيروت بيوتهم هربا إلى الداخل.
وما زال أمر الشيخ ظاهر العمر منذ ذلك الحين في صعود حتى بعثت الدولة العثمانية بأسطول بحري بقيادة حسن باشا الجزائري في سنة 1189ه، وكتبت إلى كل من محمد باشا العظم والي صيدا وأحمد باشا الجزار أمير السواحل السورية بقتال الشيخ ظاهر العمر، وحين أحس بالخطر أراد أن ينجو بنفسه فلم يستطع، وقتله أحد عبيده المغاربة، وتسلم أحمد باشا الجزار ولاية عكا وصيدا وما إليهما، وأخذ يفتك بآل العمر وأولاده وأنصاره حتى شردهم، وامتد سلطانه من بلاد صفد وأربد ونابلس إلى حيفا ويافا وصيدا وعكا، ولما تم له تطهير البلاد منهم ومن أنصارهم شرع في ترتيب أمور دولته، ثم سيطر على بيروت وبعلبك في سنة 1181ه، ثم عهدت إليه الدولة بولاية دمشق في سنة 1189ه حتى سيطر على الشام كله إلى أن جاء نابليون الفرنسي بحملته على مصر - كما سنفصله في موضعه - وأحس نابليون باجتماع الجيوش العثمانية عليه في الشام وعزمها على محاربته، وقرر أن يفاجئها؛ فاحتل مدينتي حيفا ويافا، ثم قصد عكا وكانت كسرته المشهورة عندها، ورجع خاسرا إلى مصر، ولم يبق فيها طويلا حتى اضطرته الأحوال القلقة في فرنسة إلى العودة من حيث أتى.
وظل أحمد باشا الجزار في ولاية دمشق والجنوب، أما الشمال فكان مستقلا بولاته، وقد تعاقب على حلب في هذا القرن سبعون واليا تركيا قضى أكثرهم في الولاية أشهرا معدودة، ولم يتجاوز بعضهم الخمس سنوات، وكان ولاة دمشق ستة وأربعين واليا في هذا القرن، كان منها نحو نصف قرن تحت حكم آل العظم، وكان لبنان يعيش تحت حكم المتغلبين من الأمراء، وقلما استطاعت الدولة العثمانية القضاء على سلطتهم، أو تمكنت من فرض هيبتها بشكل بارز، وإنما كانت تستعين بإثارة الجار على جاره، وابن العم على ابن عمه ، وكان الولاة في الأغلب يتمتعون بسلطان استقلالي.