تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

والحق أن دمشق لقيت من هذه الفئة عناء كبيرا، كما لقيت من هذا الحصار بلاء عظيما، وقد احترقت محلات العقيبة وقصر حجاج والشاغور وحكر السماق، وهي من أعظم محلات دمشق، وأكثرها آثارا وقصورا، وقد دام الحصار نصف سنة حتى هلك فيه الناس جوعا، وأكلوا الموتى والأطفال ولم ينكشف البلاء عنهم ولم ينجوا من بلاء الخوارزمية والملك الصالح إسماعيل إلا بعد أن استنجدوا بالحلبيين، فقدموا إليهم، وأعانوهم على طرد الخوارزمية عن دمشق، وشتتوا شملهم في سنة 644ه.

وفي سنة 647ه مات الملك الصالح أيوب صاحب بلاد مصر وأكثر بلاد الشام، وكان قد استكثر في حياته من المماليك الترك والصقالبة لحراسته، وتقوية نفوذه، فلما مات قوي أمرهم واشتد سلطانهم حتى تملكوا البلاد من بعده على ما سنفصله، والحق أن هؤلاء المماليك قد استغلوا سلطانهم أيام الملك الصالح أيوب، ولما هلك ولم يكن له ولد تولت الأمر بعده زوجته شجرة الدر، وأعانها على ذلك نفر من المماليك، وكتبوا بذلك إلى أهل الشام، فأبى هؤلاء أن يخضعوا لامرأة، وولوا عليهم الملك الناصر يوسف بن أيوب صاحب، وتمت له السيطرة على سورية من حلب إلى دمشق إلى بعلبك فعجلون.

ولما اتفق المماليك في مصر على خلع شجرة الدر وتولية أحدهم وهو المملوك أيبك الجاشنكير، كتبوا بذلك إلى أهل الشام، فرفض هؤلاء ذلك إلا أن يولوا أحد الأمراء الأيوبيين، ثم جمعوا جموعهم، وتوجهوا إلى مصر لقتال هؤلاء المماليك، والتقى الجيشان الشامي والمصري عند مدينة العباسة، وبعد قتال مرير بينهما تم الاتفاق على عقد صلح بين الملك الناصر يوسف بن أيوب صاحب دمشق وبين المماليك البحرية على أن يكون للمماليك ما وراء حدود نهر الأردن وللناصر ما بعد ذلك، ولكن هذا الصلح لم يدم طويلا؛ فإن بعض المماليك انشقوا عن إخوانهم في مصر وجاءوا إلى الملك الناصر في دمشق يطمعونه في السيطرة على مصر، فسار معهم بجيوشه حتى إذا وصل إلى غور الأردن وقعت فتنة بينه وبين المماليك اضطر الناصر بعدها أن يرجع إلى دمشق، ولم يكد يستقر فيها حتى جاءته الأخبار بأن جيوش هولاكو تزحف نحو الشام.

ولما بلغته أخبار زحف هولاكو اضطرب لها، ولكنه أخذ يهيئ نفسه، وفي سنة 657ه قدم هولاكو إلى مشارف الفرات واستولى على الجزيرة الفراتية، ثم توجه إلى حلب وفتك بالقرى المجاورة لها فتكا عظيما، ولما بلغت أخباره إلى دمشق جمع الملك الناصر جموعه في مطلع عام 658ه للتوجه إلى حلب، ولكن جماعة من مماليكه أرادوا اغتياله فاشتعلت نار الفتنة، واضطربت البلاد، ودخل هولاكو مدينة حلب وذبح من أهلها مذبحة عظيمة حتى قيل: إن عدد من قتل بها من الناس كان أكثر ممن قتلوا في بغداد،

4

وقال ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة»: «وإن هولاكو حاصر حلب ستة أيام، ثم أوقع بها خمسة أيام حتى لم يبق بها أحد، ووصل إلى هولاكو على حلب الملك الأشرف صاحب حمص فأكرمه هولاكو، وأعاد إليه حمص، ثم رحل هولاكو إلى حارم، فقتل أهلها عن آخرهم، وسبى النساء، وأمر بخراب أسوار قلعة حلب وأسوار المدينة فخربت عن آخرها، وأمر الأشرف موسى صاحب حمص بإخراب سور قلعة حماه فخربت وأحرقت زردخانتها ... وأما دمشق فإن نائب هولاكو قدم إلى أهلها بالفرمان والأمان فتلقاه كبراء المدينة وأنفذت مفاتيح دمشق إلى هولاكو.»

5

وعلى الرغم من ذلك هدم التتار أسوار مدينة دمشق والقلعة، وخربوا ما فيها من مصانع السلاح والزردخانات، ثم توجهوا إلى فلسطين ففتحوا قلاعها في نابلس وعجلون والصلت وصلخد وبصرى وسائر بلاد حوران وجنوبي فلسطين حتى بلغوا غزة هاشم، وقد كانوا يودون الزحف على مصر، ولكنهم انشغلوا بالملك الناصر يوسف الذي حاول تفريق جمعهم فتغلبوا عليه، وقتلوه، وفرقوا جنده، ولقد لقيت الديار الشامية من التتار بلاء عظيما وفر بقايا الأيوبيين ومماليكهم إلى مصر يستنجدون بأهلها وبأمرائها، فجمع المصريون جموعهم لنصرتهم وقدموا إلى الشام بقيادة الملك المظفر قطز، والتقوا بالتتار عند غور الأردن، وجرت معركة كبيرة عند عين الجالوت، وهزم الله التتار على الوجه الذي سنبينه في الفصل الخاص بمصر.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ٢٥