تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

والحق أن صاحب «المنهل الصافي» لم يبالغ في أقواله؛ فقد كان هؤلاء من شرار الحكام، وبخاصة شاه محمد؛ فقد لقيت البلاد منه في عهده كل شر وسوء، كما لقيت من إخوته مثل ذلك، فقد رأينا سوء أعمالهم قبل موت شاه محمد، أما بعد وفاته فإن الأمير «أسبهان» زحف على «إربل» بعد موت أخيه فقاتل صاحبها وهو ابن أخيه علي شاه، وهدم المدينة، ولم يتركها إلا بعد أن ألقى السم في مياهها، ومات من أهلها خلق كثير، ثم إنه رحل إلى الموصل فاستولى عليها في سنة 839ه/1345م، ثم قصد بغداد واستولى عليها، وأخذ ينظم أموره فيها، ومما هو جدير بالذكر أنه أهمل حالة المدينة فعمت فيها الأمراض والأوبئة، حتى قيل: إنه حصل وباء في سنة 841ه/1347م هلك بسببه ناس كثيرون، وكان العمل الوحيد الذي قام به هو تركه المدينة ونجاته بنفسه وبجنده، ولم يرجع إليها إلا بعد أن قضى الوباء على أكثر سكانها، قال المقريزي في السلوك: «وخربت المدينة، ولم يبق بها جمعة ولا جماعة، ولا أذان ولا سوق وجف معظم نخلها، وانقطع أكثر أنهارها بحيث لا يطلق اسم مدينة بعد أن كانت سوق العالم.»

3

وأما الأمير جهان شاه فإنه لم يكن أحسن حالا من «أسبهان»، وقد وقعت الفتنة بينه وبين ابنه بير بوداق «بير بضغ» صاحب بغداد لما بلغه أنه يقسو على الناس، ويجمع أهل الفسق والإلحاد ويقربهم، فكتب إليه ينصحه أن يقلع عن فساده فسخر بالكتاب وبأبيه أمام الرسول، فلما علم الأب بذلك جهز جيشا كبيرا، وزحف على بغداد في سنة 869ه لتأديب ابنه ووقعت بين الاثنين معركة عنيفة قاست بغداد من جرائها ويلات، ولقي سكانها شرا عظيما؛ لأن الحصار دام نحوا من سنة ونصف السنة إلى أن قتل «بير بوداق»، ودخل أبوه المدينة سنة 870ه، ففتك جنده بأهلها، ولم يكن حالهم مع الأب أحسن من حالهم من الابن.

4

ولما استتبت الأمور لجهان شاه أقام في بغداد نائبا عنه اسمه بير محمد الطواشي ورجع هو إلى تبريز، وما بقي فيها قليلا حتى توجه عزمه على قتال السلطان حسن الطويل البايندري صاحب ديار بكر، فسار إليه في جمع من الجنود، ولكن الدائرة دارت عليه وعلى كثير من جنوده فقتل في سنة 872ه/1467م كما قتل عدد من الأمراء والقادة البارانية أمثال محمد ميرزا، وأبي يوسف ميرزا ولدي جهان شاه وبير زادة، ولما أصيب الجيش الباراني بهذه النكبة تفرقت فلوله في البلاد، وفكر بعض قادتهم في لم الشمل، وقر رأيهم على أن يذهب الأميران شاه علي وشاه إبراهيم، ويعملا على إنقاذ أحد أولاد جهان شاه واسمه حسن علي من قلعة كان محبوسا فيها، فأنقذوه وساروا به إلى تبريز فدخلوها، وأخذوا يهيئون أنفسهم للانتقام من السلطان حسن الطويل والتقى جمعاهما عند تبريز في سنة 873ه/1468م، فانكسر الأمير حسن وجماعته وتفرق جنده واستولى السلطان حسن الطويل على تبريز، فلما بلغت هذه الأخبار مسامع والي بغداد بير محمد الطواشي أخذ يستعد للقاء السلطان حسن الطويل، ولكنه فوجئ بمرض هلك على إثره، فعمد الأمراء في بغداد إلى تسليم المدينة إلى أحدهم واسمه حسن علي بن زينل، وكان أميرا حسن السيرة رقيق القلب، ولكنه لم يلبث في حكمه طويلا حتى مات، فتسلم الأمر من بعده أخوه منصور بن زينل وكان جبارا فاتكا فكره الناس عهده وعملوا على التخلص منه فقتلوه وبموته انتهت الدولة البارانية، وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة 874ه/1369م، وقد حكمت الأسرة البارانية العراق وما إليه قرابة نصف قرن، لقي العراق فيها أشد الويلات على الرغم من أنه كان مستقلا شبه استقلال عن العاصمة تبريز، فقد كان والي بغداد يتولى أمرها مستقلا بنفسه، وخصوصا في عهد شاه محمد وأسبهان وبير بوداق، ولكن حالة بغداد وسائر المدن العراقية كانت تنتقل من سيئ إلى أسوأ، وخصوصا حين ازداد الطنبور نغمة بظهور المشعشع الذي اتخذ الدين شعارا، ولحقه عدد من الغوغاء والأعراب، وأخذوا يفتكون بالناس من أهل الحاضرة، ويدكون القصور، ويخربون المساجد والمعاهد والأماكن العامة، ويعملون على تقطيع أوصال البلاد. (2) الدولة البايندرية

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع)ص ١٨