تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

وإن الإنسان ليدهش أمام ذلك العقل العربي الذي أبدع هذا القانون الرفيع، الذي إذا قورن بقوانين الرومان التي صيغت في أزهى عصورهم في القرن الثالث قبل الميلاد، تبين الفرق الشاسع بينه وبين القوانين الرومانية السطحية، على الرغم من الزمن السحيق الذي صيغت فيه مواد قانون حمورابي، وهو القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد.

6 (4) الدولة الآشورية

قدم الآشوريون إلى وادي الرافدين في الألف الثالث قبل الميلاد، من قلب الجزيرة العربية، واستوطنوا المنطقة الواقعة على جانبي نهر دجلة شمالي نهر «الهضيم»، واتخذوا لأنفسهم مدينة سموها باسم إلههم «آشور»، وبنوها بالحجارة الضخمة، وهي معروفة اليوم باسم «شرقاط»، وقد شادوا حولها عددا من المدن والقلاع، وأشهرها «كالح» و«نينوى».

وينقسم تاريخهم إلى قسمين:

الأول:

هو العهد الذي سبق تاريخهم لتأسيس الإمبراطورية.

والثاني:

هو العهد الإمبراطوري.

أما العهد الأول، فيمتاز بأنهم أخذوا يهيئون أنفسهم تهيئة عسكرية قوية يستطيعون بها التغلب على خصومهم «الحثيين» الذين كانوا يقطنون في شماليهم، والميتانيين الذين كانوا يقطنون في غربيهم، و«الأكدين» و«العموريين» الذين كانوا يسكنون في شرقيهم، وقد نبغ منهم في هذا العهد جمهرة من الأمراء، أشهرهم «شلم نصر الأول» الذي نظم صفوفهم، وأفاد من الحضارة السومرية فوائد كثيرة؛ فجعل شعبه شعبا قويا، واستطاع أن يستولي على بابل وما حولها من أملاك السومريين، كما استطاع أن يتغلب على الأكديين حتى لقب نفسه «ملك سومر وأكد». ثم خلفه الملك «تكلات بيلاسر الأول»، وقد بلغت الدولة في عهده مبلغا ساميا في القوة والرقي ، والتمهيد للعهد الإمبراطوري، ولكن ما عتم أن مات حتى خلفه ملوك ضعفاء، وتوقفت حملات الفتح، ودب الانحلال إلى الدولة، واستطاع خصومها من «الآراميين» أن يستولوا على بعض أجزائها، إلى أن ظهر الملك «شلم نصر الثالث» الذي جدد عهد سميه الأول، فقام بعدة حملات موفقة جعلته الآمر المطاع في كل آسيا الغربية، من حدود فارس حتى أرمينية حتى البحر الأبيض المتوسط، وقد دون فتوحاته في المسلة الخالدة التي نصبها في عاصمته «كالح» المعروفة اليوم باسم مدينة «نمرود»، وقد سجل على هذه المسلة أسماء الملوك الذين أخضعهم، وأخذ منهم الجزية. ثم خلفه الملك «تكلات بيلاسر الثالث»، وكان كسميه الأول؛ محاربا قويا وفاتحا موفقا، وقد توصلت الدولة في عهده إلى أسمى درجات المجد، وبلغت فتوحه إلى دمشق وفلسطين وسائر أجزاء الهلال الخصيب والمشرق وغيرهما من العالم المتمدن القديم.

وأما العهد الثاني، فيبدأ بعهد الملك «سرجون الثاني» المعروف بلقب «شيروكين»؛ أي الملك الصالح، وقد ارتقى عرش الدولة في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد، وظل فيه سبعة عشر عاما (722-705 قبل الميلاد) أخضع فيها بلاد بابل إخضاعا كليا، كما استولى على مملكة إسرائيل في فلسطين، واستولى على عاصمتها مدينة السامرة.

ولم يستقر «سرجون» في عاصمة واحدة؛ فاتخذ مدينة «آشور» عاصمة له، ثم انتقل إلى «كالح» ثم إلى «نينوى»، ثم بنى مدينة جديدة سماها «دور شيروكين» أي مدينة الملك الصالح شمالي مدينة نينوى، وقد تفنن في بنائها على شكل مربع ضلعه ألفا ياردة، وجعل لها سورا ذا أبراج عالية تنيف على المائة والخمسين، وجعل لها ثمانية أبواب كبرى، كل باب يحمل اسما من أسماء الآلهة الآشورية، وزين جوانب الأبواب بصور ثيران مجنحة ذات رءوس بشرية، وجعل شوارع مدينته مستقيمة واسعة، وشيد في وسطها قصره الفخم العظيم، وبجواره ثلاثة معابد صغيرة، وصرح مدرج «زقوره»، ولكنه لم يتمتع بذلك طويلا؛ إذ اغتيل بعد سنتين، فخلفه ابنه «سنحاريب»، وكان فتى عسكريا صارما عاقلا، وأول عمل قام به هو عودته إلى «نينوى» العاصمة القديمة إرضاء لرجال الدين الذين نقموا على أبيه لانتقاله عنهم، وما استقر في نينوى حتى أخذ يرتب أموره، وينظم شئون الدولة، ويعمر المدينة، ويبني لنفسه قصرا ضخما زينه بكثير من النقوش والتماثيل الجليلة التي نقلها من مدينة أبيه «دور شيروكين»، كما شاد كثيرا من الأمكنة العامة التي جعلت عاصمته زينة مدن الدنيا في عهده، ولكنه لم يتمتع بالأمن والسكينة طويلا؛ إذ فوجئ بقيام الثائر «مردوخ بلادان» عليه وإعلان الثورة في بابل، فخرج سنحاريب لمحاربته، واحتل بابل، ولاحق مردوخ الذي التجأ إلى إقليم الأهوار حتى قضى عليه، ثم قضى على الفتن التي قامت في الأقاليم الخاضعة لسلطانه في بلاد قليقية، وفينيقية، وسوريا، وفلسطين، وكان سنحاريب شديد العنف والقسوة في أعماله الحربية، وبخاصة في حرب بابل ويهودا بفلسطين، فقد لاقى أهل هذين البلدين منه ظلما شديدا.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٨