تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

وقد لفت الأستاذ كيتاني أنظار العلماء إلى هذه الظاهرة المهمة؛ ظاهرة التغير الذي طرأ على جو بلاد العرب، والجفاف الذي حل بها في أواخر الدورة الجليدية الأخيرة، ففي الوقت الذي كان فيه معظم النواحي الأوروبية وشمالي آسيا تغطي أرضها الثلوج؛ كانت جزيرة العرب ذات جو معتدل، وأمطار غزيرة، وأشجار وزروع، وكانت هضبة إيران تغطيها الثلوج ... ثم أخذ الجو يتغير في بلاد العرب، ففقد الجو رطوبته، وسار بصورة مستمرة وبطيئة نحو الجفاف منذ أكثر من أربعة عشر ألف سنة، فأثر ذلك بالطبع في حياة سكانها، وفي حياة حيوانها ونباتها؛ فانقرض ما لم يتمكن من تكييف نفسه مع المحيط، وظهرت الحاجة إلى هجرات ...

2

وهذه الموجات أو الهجرات التي اندفعت من قلب دنيا العرب إلى البلاد المحيطة بها، فأقامت حضارات عريقة وأصيلة، قد أثبت البحث العلمي الحديث أنها كلها ترجع إلى أرومة واحدة وعرق واحد؛ هما: الأرومة العربية، والعرق العربي الممتازين بطابع واحد وسمة واحدة، وملامح متشابهة، وأفكار متماثلة، ولغات متقاربة، وأنظمة وقوانين وتشريعات متساوية، وعقليات دينية متناظرة.

وقد اصطلح المستشرقون وعلى رأسهم العلامة الألماني اللغوي شلوتسر

Schloser

في بحث له نشره سنة 1781م، على تسمية الأقوام الذين قاموا بهذه الموجات بالساميين لا العرب، وهي في رأينا تسمية خاطئة؛ فإنهم حين بحثوا في أصول اللغات العربية والعبرانية والآرامية والسريانية والحبشية والفينيقية والآشورية والبابلية و... ووجدوا الصلات القوية بينها، وقد نسبوا إلى «سام بن نوح» لأن التوراة ذكرت في سفر التكوين

3

أن هذه الأمم كلها سامية، وأنها من نسله، وهذا خطأ لا يعتمد على واقعة تاريخية أو علمية، وإنما هو مبني - على فرض صحة هذا النسب الذي هو موضع شك كبير - على الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا. ثم إننا لو جاز لنا أن نقبل ذلك من حيث الاصطلاحات اللغوية، وأنهم إنما سموها سامية من قبيل الاصطلاح؛ فلا علاقة أصلا بين الأمور العرقية الأتنولوجية وبين هذه التسمية.

ولا يصح في رأينا إذن أن نطلق كلمة «سامي» أو «حامي» أو «آري»، ونحن نريد بها عرقا بعينه؛ لأنها اصطلاح لغوي بحت، وإنما يجب أن نقول إن هؤلاء الجماعات من البشر قد تحدروا من أصل واحد، سكن بقعة واحدة، هي في أصح الأقوال قلب جزيرة العرب، وإن اللغة التي يتكلم بها سكان تلك البقعة هي اللغة الأم، وإن اللغة العربية الفصيحة هي أقرب اللغات إلى تلك اللغة الأم، وقد قال بهذا القول جماعة من أئمة المستشرقين، وعلى رأسهم العلماء: سبرنجر، وشريد، وونكلر الألمانيون، وروبرت سميث الإنكليزي، وغويدي الإيطالي، ولهم على ذلك أدلة عديدة وجيهة؛ بعضها لغوي، وبعضها اجتماعي وأخلاقي.

4

فالتقسيم الذي قال به شلوتسر واتبعه الناس من بعده لا يعتمد على حقيقة تاريخية ثابتة؛ لأنه عد من بين الشعوب السامية جماعة لا يعتبرها العلماء الثقات من الساميين، وهم العيلاميون، واللوديون، كما أنه أبعد جماعات كان يجب أن يدخلهم في الساميين؛ وهم الفينيقيون والكنعانيون.

وعلى هذا فالتقسيم المذكور في التوراة تقسيم «مصنوع»، حتى قال بعض العلماء الألمان - وهو المستشرق المرحوم بروكلمان: إن واضعي التوراة العبرانيين قد تعمدوا إقصاء الكنعانيين والفينيقيين عن سلسلة النسب السامي لأسباب دينية وسياسية، مع علمهم الأكيد بأنهم على اتصال واشج بهم،

5

فهذا يدلك على سوء طوية علماء اليهود منذ الأزل، وعلى أنهم قوم لا يرعون حق قرابة أو علم أو دين، وأن الكذب والتلفيق من طبائعهم، وأن ما يتجدد اليوم في فلسطين العربية الذبيحة من المآسي المادية، واغتصاب الأراضي، وإفساد الحرث والنسل، والتعدي على الحريات، وهتك المقدسات؛ هو أمر متوارث في أصحاب التوراة منذ أقدم عصورهم إلى الآن.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)ص ٢