تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولهما:

التعليم الديني، وكان محصورا في المدارس الإسلامية القديمة، وبعض المساجد والجوامع، وكان هدف هذا التعليم تثقيف الفرد ثقافة إسلامية قويمة، يتقن فيها المرء علوم اللغة وآلاتها من «نحو وصرف وبلاغة»، والفقه، والحديث، والكلام، والسيرة النبوية، والمنطق على الأسلوب القديم، وبعض المعلومات الأولية الساذجة في علوم الكون وما وراء الطبيعة والحساب. وهناك تعليم ديني مسيحي يهدف إلى تعليم الفتى المسيحي أحكام دينه، وإلى جانب ذلك تعليم بعض اللغات الأجنبية من إفرنسية وإيطالية وألمانية وإنكليزية ولاتينية ويونانية وسريانية.

وقد أدت هذه المعاهد الدينية بشطريها خدمة جليلة، وبخاصة في عصور الانحطاط، وحين عمدت السياسة العثمانية إلى وقف حركة التعليم على ما أشرنا إليه في حديثنا عن تاريخ فترة السلطان عبد الحميد الثاني.

وثانيهما:

التعليم المدني، وكان الرواد فيه هم بعض رهبان الأميركان أو اليسوعيين، على ما بيناه فيما سبق. ولما رأى المسلمون هذه المدارس المدنية التي يشرف عليها المسيحيون، أخذوا ينشئون مدارس على نمط حديث، كالمدرسة الأهلية في بيروت، ومدارس المقاصد الخيرية في مصر والشام، ومدارس الجمعية الخيرية في حلب، وعمدت الحكومة التركية إلى إيجاد بعض المدارس الابتدائية في حلب ودمشق وبيروت والقدس وبغداد والموصل وبعض مدن شمالي أفريقية الخاضعة لنفوذهم. وكان للوزير التركي المصلح مدحت باشا أثر واضح في إيجاد هذه المدارس المدنية الحديثة، حينما تولى دمشق سنة 1295ه.

وقد سار التعليم المدني صعدا، وانتشر التعليم الابتدائي الثانوي في مصر والعراق والشام وشمالي أفريقية والجزيرة. أما التعليم الجامعي العالي فما يزال محدودا. (5) التجارة والاقتصاد

أطل القرن التاسع عشر وتجارة البلاد العربية عادية محدودة، وكان كل قطر من أقطار العروبة يعيش بوضع اقتصادي متأخر، ولا رابط يربط بين أجزاء الأقطار العربية، فلا طرق مواصلات قوية منتظمة، ولا تبادل اقتصادي منظم، بل كان كل قطر يعيش منطويا على نفسه، مكتفيا بمنتوجاته وفتوحات البلاد المتاخمة له، على عكس ما كانت عليه الحالة في البلاد الأوروبية والأميركية. ولكن ما لبثت الحضارة الأوروبية أن امتدت إلى العالم العربي بإنشاء بعض الخطوط الحديدية، وبتعبيد كثير من الطرق البرية، وكان في طليعة المواصلات التي أجريت الخط الحديدي الحجازي الذي أذن السلطان لبعض الشركات الألمانية بمده ما بين المدينة المنورة ودمشق، كما حاول الألمان ربط العاصمة الإسلامية إستانبول بالخليج العربي بوساطة خط حديدي، وهدفهم الرئيسي من ذلك هو ضرب معقل الاستعمار البريطاني في ذلك الخليج العظيم، وتمكن الفرنسيون من إقناع الخديوي محمد سعيد بفتح قناة السويس، فأذن لهم بذلك في سنة 1854م. وحاولت بريطانية عرقلة هذا المشروع فاستطاعت عرقلته، فلما تولى مصر الخديوي إسماعيل تمكن المهندس دلسبس الفرنسي من البدء بمشروع القناة، وتم له ذلك في سنة 1869م، ثم أخذت الحكومة العثمانية بإصلاح الموانئ في العالم العربي لتصلح لرسو البواخر الضخمة كميناء غزة، وحيفا، ويافا، وعكا، وصيدا، وصور، وطرابلس، وبيروت، والإسكندرونة، واللاذقية. وأذنت بمد خط حديدي بين حلب والموصل وبغداد والبصرة، وبين بيروت ودمشق، وبين دمشق وحمص وطرابلس، وبين دمشق وحيفا والعريش والقطر المصري، وهكذا اتصل العراق بالشام ومصر.

واهتمت الحكومة الخديوية بإنشاء شبكة من الخطوط الحديدية، وشبكات طويلة من الطرق في القطر المصري، كما عملت الحكومة التركية على فتح طريق تصل بين أجزاء العراق والشام والأناضول. وعنيت حكومة الاحتلال الفرنسي في شمال أفريقية بإصلاح الموانئ، وفتح الطرقات بين أجزاء الشمال الأفريقي الذي تحتله.

عصر الانبعاث: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثامن) · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانبعاث: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثامن)ص ٤١