ولما أبرمت هذه الاتفاقات رأى الأمير فيصل أن الدول الغربية قد خانت العهود، وأن أميركا لا يمكنها أن تقوم بنصرة العرب، فاتصل مجددا بالبريطانيين فأفهموه بوجوب اتصاله بالفرنسيين، ومهدوا له سبيل المفاوضة مع الرئيس كليمنصو، فسافر إلى باريس واجتمع إلى كليمنصو، وبعد جلسات عديدة ومحاولات كثيرة تم التفاهم بينهما على مشروع اتفاق علق فيصل إبرامه على قبول الشعب السوري له، ولما عرضه على أعضاء المؤتمر السوري الذين يمثلون البلاد السورية واللبنانية والفلسطينية أصدق تمثيل، رفضوه بالإجماع في كانون الثاني سنة 1919م؛ لأنه كان مشروعا استعماريا لم يعترف لسورية باستقلالها المطلق، ولا لسكانها بالسيادة التامة، بل اعترف «للأهلين الناطقين بالعربية والقاطنين في أرضها من جميع المذاهب، أن يتحدوا ويحكموا أنفسهم بأنفسهم على أنهم أمة مستقلة!» كما ينص على أن السلطات الفرنسية تشرف على إدارة البلاد فعليا بتسمية مستشارين في كافة دوائر الدولة يصرفون أمورها، ولا يعترف المشروع لسورية بالتمثيل السياسي، ولا يحق لها بموجبه قبول الممثلين السياسيين، ولا أن تكون حرة في برامج التعليم، بل تطبق البرامج التي تسميها السلطات الفرنسية، ويكون تدريس اللغة الفرنسية إجباريا.
ولم يرد في المشروع شيء عن الساحل السوري؛ لأن فرنسة كانت تنوي فصله عن الداخل، كما لم يرد فيه شيء عن حدود لبنان؛ لأن فرنسة كانت تنوي اقتطاع أجزاء من سورية وضمها إليه.
1
وصفوة القول أن هذا المشروع كان صك انتداب، بل استعمار لو قبل به فيصل أو الساسة السوريون لطوقوا بلادهم بطوق من الحديد والعار، ولما رأى الفرنسيون أن فيصلا وأحرار سورية يأبون الخضوع لهم، أتموا مؤامرتهم مع بريطانية، فسحبت هذه قواها من سورية، وسمت فرنسة الجنرال غورو حاكما عسكريا لدول الشرق، وأمدته بالمال والسلاح والجند، ورجع فيصل إلى سورية واجتمع إلى أعضاء المؤتمر السوري، وتذاكروا في الأمر فأقروا الأمور الآتية: (1)
استقلال البلاد السورية بحدودها الطبيعية، ومنها فلسطين، استقلالا تاما. (2)
تكون الحكومة مدنية نيابية، لا مركزية ضامنة لحقوق الأقليات. (3)
ينادى بسمو الأمير فيصل ابن جلالة الملك حسين ملكا دستوريا على سورية، ويلقب بصاحب الجلالة الملك فيصل الأول. (4)
تراعى أماني اللبنانيين الوطنية في إدارة شئون لبنان ضمن حدوده المعروفة قبل الحرب العامة، على أن يكون في معزل عن كل تأثير أجنبي فيه. (5)
ترفض مزاعم الصهيونيين في جعل فلسطين وطنا قوميا لليهود أو محل هجرة لهم. (6)
بالنظر إلى ما بين الشام والعراق من الصلات والروابط اللغوية والتاريخية والاقتصادية والجنسية والطبيعية، مما يجعل أحد القطرين لا يستغني عن الآخر، فالمؤتمر يطلب استقلال العراق استقلالا تاما، على أن يكون بين القطرين الشقيقين اتجاه سياسي اقتصادي.
وقد أعلنت هذه المقررات في الثامن من آذار سنة 1920م، الموافق ليوم 17 جمادى الثانية سنة 1338ه، وبويع الملك فيصل على عرش سورية، ورفع العلم الجديد، وهو علم الثورة السورية ذو الألوان الثلاثة، يجمع بينها مثلث أحمر، وأضيفت إليه نجمة، واتخذ السوريون هذا اليوم عيدا قوميا. وما إن بلغت هذه الأخبار مسامع الفرنسيين حتى جن جنون الجنرال غورو، فأمر قواته بالسير إلى بيروت لاحتلال رياق وبعلبك وشتورة، ثم جهز جيشا قويا وبعث بإنذار شفهي إلى الملك فيصل يوم 11 تموز سنة 1920م طالبه فيه بقبول الانتداب الفرنسي على سورية بلا قيد ولا شرط، وإيقاف التجنيد الإجباري، وقبول العملة الورقية التي أصدرها جيش الاحتلال الفرنسي في لبنان، والسماح للجيش الفرنسي القادم من قليقية باحتلال حلب. ولم ينتظر جواب الملك على إنذاره، بل أمر جنده بالزحف على دمشق، وبعث إلى الملك فيصل إنذارا مكتوبا يوم 14 تموز، فجمع الملك أعضاء وزارته فرآهم منقسمين إلى قسمين: قسم يرى قبول الإنذار، وقسم يرى وجوب إهماله. وبعد مذاكرات طويلة قر رأيهم على قبول الإنذار؛ لأن مقاومتهم تكون ضربا من العبث لعدم تكافؤ الجانبين، ولكن غورو لم يكتف بقبول الإنذار، بل أصر على تنفيذ مطاليبه، ثم أمهل الحكومة السورية إلى منتصف ليلة 20 تموز سنة 1920م، وإلا زحف الجيش على دمشق، فقبلت الحكومة هذا الإنذار، وسرحت جيشها، وأعطى الملك فيصل في الساعة السادسة من بعد ظهر يوم 20 تموز كتابا مطولا يشتمل على طريقة تنفيذ الإنذار، وسلم هذا الكتاب إلى ضابط الارتباط الفرنسي «كوس»، فأبرق هذا إلى الجنرال غورو بقبول الحكومة للإنذار، ولكن البرقية لم تصل إلى غورو؛ لأن موظف البرق رفض استلامها بحجة انقطاع الخطوط، فزحفت جيوشه إلى دمشق صباح يوم 20 تموز، واضطرت الحكومة السورية إلى الدفاع عن العاصمة، فلم تستطع أن تجمع أكثر من بضع مئات من الجند النظامي وألفين من المتطوعين، مع أن الجيش الفرنسي كان مؤلفا من لواءين من جنود السنغال، ولواء من الفرسان المراكشيين، وأربعة من أفواج من المشاة الجزائريين، وسبع بطاريات من المدفعية. وجرت بين الطرفين معركة في «عقبة الطين» غربي ميسلون يوم 24 تموز سنة 1920م، فاستشهد وزير الدفاع يوسف العظمة، وارتدت القوات السورية، ودخل الجيش الفرنسي، ثم زحف نحو حمص وحماه وحلب واستولى على البلاد السورية استيلاء تاما.