إذا لم تكن إلا الأسنة مركبا
فما حيلة المضطر إلا ركوبها
إن الحلفاء كانوا قد ملئوا الدنيا ضجيجا بأنهم قوم منصفون، وأنهم سيضمنون للدول التي تناضل معهم ضد الأتراك والألمان الظالمين، الحرية والاستقلال والسعادة والكرامة.
قال أرستيد بريان رئيس الوزارة الفرنسية في خطاب تاريخي ألقاه في مجلس النواب الفرنسي يوم 3 تشرين الثاني سنة 1915: «إن فرنسة تقوم والسيف في يدها للدفاع عن المدنية واستقلال الشعوب، وعندما تعيد السيف إلى قرابه تكون قد ضمنت للعالم سلاما موطدا بعيد المدى، وليس وراء هذا السلام فكرة ما للتسلط الغاشم، بل وراءه فكرة تمتع الشعوب بحريتها، واستقلالها في شئونها الداخلية، وتقدمها في مضمار المدنية؛ هذا هو السلام الذي يسير إليه جنود فرنسة.»
وقال لورد غراي رئيس الوزارة البريطانية في خطاب له ألقاه في حفلة تكريم أقامتها له الجمعية الصحافية الأجنبية يوم 18 تشرين الأول سنة 1916: «سنناضل حتى يتغلب الحق على القوة، وحتى نضمن حرية دول العالم كله كبيرة كانت أو صغيرة، كما نضمن تساويها وتقدمها على حسب استعدادها.»
إذا كان هذان الوزيران المسئولان ينطقان بمثل هذه الأقوال ويمنيان الأمم المغلوبة بالحرية والسيادة، وهناك أقوال وتصريحات كثيرة لمسئولين بريطانيين وفرنسيين كلها تنطق بالعدل والحرية والمساواة، فما ذنب أحرار الأمم المغلوبة إن وثقوا بهذه الأقوال الصادرة عن رجال مسئولين، وظنوا أنهم قوم شرفاء يحرصون على سمعة بلادهم ويضنون بكرامتها أن تمتهن وتلطخ سمعتها بالعار وسمة الكذب والافتراء والتضليل.
يقول المرحوم الشيخ فؤاد الخطيب شاعر الثورة العربية من قصيدة له:
حي الشريف وحي البيت والحرما
وانهض فمثلك يرعى العهد والذمما
يا صاحب الهمة الشماء أنت لها
إن كان غيرك يرضى الأين والسأما
واسمع قصائد ثارت من مكامنها
إن شئتها شهبا أو شئتها رجما
من شاعر عربي غير ذي عوج
قد بارك الله منه النفس والكلما •••
يا آل جنكيز إن تثقل مظالمكم
على الشعوب فقد كانت لهم نعما
فالظلم أيقظ منهم كل ذي سنة
ما كان ينهض لولا أنه ظلما
أرهقتم الشعب ضربا في مفاصله
حتى استفاق وسل السيف منتقما
فالشنق عن حنق منكم وموجدة
قد أرهف العزمات الشم والهمما
هيهات يصفح عنكم أو يصافحكم
حر ولو عبد الطاغوت والصنما
يا ابن النبي وأنت اليوم وارثه
قد عاد متصلا ما كان منفصما
والتف حولك أبطال غطارفة
شم الأنوف يرون الموت مغتنما
فاصدم بهم حدثان الدهر مخترقا
سدا من الترك إن تعرض له انهدما •••
يا من ألح علينا في ملامته
بعض الملام وجرب مثلنا الأمما
لو كان من يسمع الشكوى كصاحبها
مضنى لما ضج بالزعم الذي زعما •••
إيه بني العرب الأحرار إن لكم
فجرا أطل على الأكوان مبتسما
يستقبل الناس من أنفاسه أرج
ما هب في الشرق حتى أنشر الرمما
تلك الحياة التي كانت محجبة
في الغيب لا سأما تخشى ولا سقما
سارت مع الدهر من بدو ومن حضر
حتى استتبت فكانت نهضة عمما
من ذلك البيت من تلك البطاح على
تلك الطريق، مشت أجدادنا قدما
لستم بنيهم ولستم من سلالتهم
إن لم يكن سعيكم من سعيهم أمما
إلى الشآم، إلى أرض العراق، إلى
أقصى الجزيرة، سيروا واحملوا العلما
إن هذه القصيدة تنطق بالحالة التي كان عليها أحرار العرب ومثقفوهم والجيل الصاعد آنئذ، فلا يلومنهم لائم لأنهم وثقوا بأقوال الغربيين وأعلنوها ثورة على دولة الخلافة، دون الاستيثاق منهم، فإنه:
لو كان من يسمع الشكوى كصاحبها
مضنى لما ضج بالزعم الذي زعما
الفصل الرابع
| الشام والعراق والجزيرة بعد الثورة العربية
ما إن استقر الشريف فيصل في سورية حتى ألف الحكومة العربية على الشكل الذي أشرنا إليه سابقا، وأراد أن يسير بالبلاد سيرا استقلاليا، فأرسل حاكما من قبله إلى الشمال جعل مقره في حلب، وأرسل حاكما ثانيا إلى الغرب جعل مقره في بيروت في سنة 1918م، ولكن الحلفاء الغربيين لم يرقهم هذا التصرف، وسفروا عن نواياهم الاستعمارية، وأظهروا اتفاقا كانوا عقدوه فيما بينهم في 9 أيار سنة 1916م عرف باتفاق سايكس-بيكو، قسموا بموجبه البلاد العربية إلى مناطق نفوذ، فاستقلت إنكلترة بفلسطين وما إليها من بلاد الأردن، واستقلت فرنسة بالساحل السوري من حدود صور في لبنان إلى حدود جبال اللكام وميناء الإسكندرونة.