تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو كتاب لطيف الحجم ألفه محمد في سياسة الأطفال وتعليم الصبيان وتأديبهم، وبحث شيء من قواعد التربية وآدابها عند المسلمين. وقد طبعه الأستاذ العلامة حسن حسني عبد الوهاب الوزير التونسي المعروف في تونس سنة 1350ه ضمن مطبوعات اللجنة التونسية لنشر المخطوطات العربية، وقدم له بمقدمة مطولة مفيدة، كشفت عن قيمة الكتاب وفضله. ومن يتصفح الكتاب يجد فيه معلومات مفيدة جدا عن القواعد الأولية التي كان العرب والمسلمون بصورة عامة يتبعونها في تعليم أولادهم منذ فجر الإسلام حتى أواسط القرن الثالث للهجرة، وها أنا ذا مثبت فيما يلي عنوانات فصول الكتاب ليتبين القارئ الموضوعات التي تعرض إليها، والمعلومات التي كان المربون المسلمون يحرصون عليها: (1)

ما جاء في تعليم القرآن العزيز. (2)

ما جاء في العدل بين الصبيان. (3)

باب ما يكره محوه من ذكر الله. (4)

ما جاء في الأدب وما يجوز في ذلك وما لا يجوز. (5)

ما جاء في الختم وما يجب في ذلك للمعلم. (6)

ما جاء في القضاء بعطية العيد. (7)

ما يجب للمعلم من لزوم الصبيان. (8)

ما جاء في إجارة المعلم ومتى تجب. (9)

ما جاء في إجارة المصحف وكتب الفقه.

فالكتاب - كما ترى - يبحث في فصول تتعلق بآداب التربية العربية، وشيء من طرق تعليم الأطفال عند المسلمين والمواد التي يجب عليهم أن يدرسوها، كما يبحث في شيء من آداب المعلمين والمربين، وفي بعض المسائل العامة التي تتعلق بهذا الموضوع. وهو - على الرغم من أنه سلك فيه مسلك المحدثين - كتاب ممتع غني بالفوائد، جمع كثيرا من النصوص القيمة التي بينت لنا كثيرا من الأوضاع التي نجهلها عن تربية الطفل وتأديبه وتعليمه وتهذيبه في فجر الإسلام وعصر بني أمية وأوائل العصر العباسي.

والكتاب قد أزاح لنا الستار عن معلومات كنا نعتقد أنها لا بد كانت موجودة لدى المسلمين ولكنا نجهل تفصيلها، فإذا بابن سحنون يرويها لنا عن أبيه عن شيخه الإمام مالك إمام المدينة، وعن غيره من الأئمة الأعلام والشيوخ الأكابر الذين عاصروا الصحابة فعرفوا عن كثب طريقة التربية العربية الإسلامية.

ولا عجب في أن يؤلف ابن سحنون المغربي كتابه المفيد هذا في القرن الثالث؛ فإن الكتاتيب - كما رأيت سابقا - كانت معروفة في المغرب - كما كانت معروفة في المشرق - وأن المسلمين في المغرب قد أنشئوا الكتاتيب منذ أواسط القرن الأول للهجرة، فإن الفاتحين حينما خططوا القيروان أنشئوا الدور والمساجد، ثم التفتوا إلى صبيانهم يعلمونهم الكتاب الكريم وحديث الرسول العظيم والآداب الإسلامية؛ فقد حكى العالم المغربي غياث بن شبيب في سنة 78 قال: كان سفيان بن وهب صاحب رسول الله يمر علينا ونحن غلمة بالكتاب فيسلم علينا وعليه عمامة أرخاها من خلفه.

257

ويقول ابن عساكر: إن إسماعيل بن أبي المهاجر المخزومي الذي كان يؤدب أولاد الخليفة عبد الملك بن مروان قد استعمله على إفريقية في سنة مائة للهجرة.

258

ولا شك في أن هذا الأمير المعلم لما تولى إفريقية عني بالتعليم فيها، كما عني بنشر الكتاتيب ودور العلم بين سكان تلك البلاد، خصوصا إذا علمنا أن عامة أمم البربر قد أسلمت على يديه في أيام عمر بن عبد العزيز، وهو الذي علم أهل إفريقية مباحث الحلال والحرام، وبعث معه عمر بن عبد العزيز عشرة من فقهاء التابعين وأهل العلم والفضل ليفقهوا أهل إفريقية، ومنهم عبد الرحمن بن نافع وسعيد بن مسعود التجيبي، وغيرهما من فحول علماء التابعين.

259

وقد علق الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب على هذا الخبر بقوله: ولو أردنا استقصاء مثل هذه الأخبار الواردة في خصوص عناية أسلافنا بالتعليم في الأجيال العربية الأولى لطال بنا الحديث ... ولم يزل شأن الكتاتيب في نمو وعددها في ازدياد وتكاثر في العاصمة وفي المدن الإفريقية الكبيرة، حتى لم يخل منها درب من الدروب أو حي من الأحياء ... ولا عجب إذا اعتبرت الكتاتيب في القديم كملحقات للمساجد وتوابع لها، بل إنها وجدت أيضا في دور الأعيان والأغنياء، وبالأحرى في قصور الوزراء والأمراء ...»

التربية والتعليم في الإسلام · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية والتعليم في الإسلامص ٧٦