صلى الله عليه وسلم
لكاتبه زيد بن ثابت أن يتعلم العبرانية كما روى البخاري، قصة معروفة معقولة تدل على ما ذهبنا إليه ... فهذا كله يدل على خطأ النظرية القائلة بأمية العرب وأن كتاب مكة - وهي أكبر مدنهم - لم يكونوا يتجاوزون عدد الأصابع.
ثم إنه لا شك عندي في أن الكتاتيب ودور التعليم كانت معروفة في الجاهلية؛ فالمؤرخون يؤكدون أن يوسف الثقفي أبا الحجاج كان يعلم في كتاب له بالطائف، وأن أبا قيس بن عبد مناف بن زهرة، وأبا سفيان بن أمية بن عبد شمس قد علمهما بشر بن عبد الملك العبادي فكانا؛ يعلمان أهل مكة. ولا شك في أن هؤلاء المعلمين في الجاهلية لم يكونوا وحدهم يقومون بذلك العمل الثقافي، بل كان هناك معلمون آخرون.
وينقل السيد عبد الحي الكتاني عن الماوردي في «أدب الدنيا والدين» عن ابن قتيبة أن العرب كانت تعظم أمر الخط وتعده أجل نافع، حتى قال عكرمة: «بلغ فداء أهل مكة أربعة آلاف حتى إن الرجل ليفادى على أنه يعلم الخط، لما هو مستقر في نفوسهم من عظيم خطره وظهور نفعه. وقال الله لنبيه:
اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم ، فوصف نفسه بأنه علم بالقلم كما وصف نفسه بالكرم، وعد ذلك من نعمه العظام وآياته الجسام حتى أقسم به في كتابه فقال:
ن والقلم
فأقسم بالقلم وما يخط بالقلم، وهذا يبطل ما قاله ابن خلدون عن جهلهم بالخط، فإن عكرمة كان يتكلم عن مشاهدة وابن خلدون قال ما قال عن تخمين ...»
4
هذا ما قاله الكتاني، وهو في قوله يشير إلى ما قاله ابن خلدون في المقدمة من أن الخط والكتابة من عداد الصنائع الإنسانية، وأن العرب كانوا بعيدين عنها لأنهم كانوا بداة بعيدين عن الحضارة غير مجيدين لها، شأن الصنائع إذا وقعت بالبدو قلما تكون محكمة المذاهب ولا مائلة إلى الإتقان والتنميق،
5
إلى آخر ذلك الكلام الطويل الغريب المبني على التخمين والزعم، البعيد عن البحث العلمي الصحيح.
هذا وقد كان للنبي
صلى الله عليه وسلم
كتاب بلغ عددهم ما ينيف على الأربعين،
6
وكان أكثرهم من الشبان والمدنيين ، ولا شك في أنهم قد تعلموا الخط والقراءة وما إليهما في بعض كتاتيب المدينة ومكة قبل الإسلام. ثم إن الكتاتيب كانت معروفة بكثرة في الشام ومصر وفارس والعراق قبل الإسلام، فلا غرابة إذا نقل القرشيون ذلك عنهم في رحلاتهم التجارية، كما أن الجوالي النصرانية واليهودية في الجزيرة قد كانت تعلم أبناءها في المدارس أو الكتاتيب أو الكنائس أو الأديرة، وليس بعيدا أن يكون جيرانهم قد أفادوا ذلك منهم.
أما ما كان يتعلمه الأطفال العرب في تلك المدارس والكتاتيب، فهو في ظننا أشياء كثيرة، منها ما يأتي: (1)
معرفة أخبار الماضين من العرب وأحوالهم؛ فإن في القرآن إشارات إلى أن العرب كانوا يعرفون شيئا كثيرا عن قصص الأنبياء العرب وغيرهم كما هو مفصل في القرآن. (2)
أخبار حروبهم وأيامهم وقصصهم وأنسابهم. وقد كثر في عرب الجاهلية علماء النسب والإخباريون ولم تخل قبيلة أو عمارة أو فخذ أو بطن من نسابين وإخباريين. (3)
معلومات جغرافية عامة عن الكون والبلدان المحيطة بهم وأقاليمها؛ فقد أفادوا من رحلاتهم التجارية وسفراتهم البحرية والبرية فوائد جليلة، وكان لأهل الحجاز والبحرين ونجد رحلات مفيدة. ويدل سفر نفر من المسلمين الأولين إلى الحبشة على أنه قد كانت للقوم معلومات عن تلك الأصقاع، كما كانت عندهم معلومات عن بلاد النوبة وفارس ومصر والجزائر المحيطة بديارهم. (4)
معلومات فلكية وطبيعية. وقد أطنب البلدانيون العرب والمسلمون في معرفة أهل «الجاهلية» بالنجوم ومنازل الشمس والقمر والأفلاك وحركاتها والاهتداء بها في البر والبحر، كما ذكروا أنهم كانوا ملمين بالأحوال الجوية والطبيعية لديارهم، وفي شعر ما قبل الإسلام وبعده كثير من النصوص التي تدل على هذا، ولا شك في أنهم أفادوا معلومات كثيرة من جيرانهم الصابئين والكلدانيين. (5)