صلى الله عليه وسلم : «إن الله يحب الرفق في الأمر كله، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.» وإذا أحسن المعلم القيام وعني بالرعاية وضع الأمور مواضعها؛ لأنه هو المأخوذ بأدبهم والناظر في زجرهم عما لا يصلح لهم، والقائم بإكراههم على مثل منافعهم؛ فهو يسوسهم في كل ذلك بما ينفعهم؛ فكونه عبوسا أبدا من الفظاظة الممقوتة، ويستأنس الصبيان بها فيجترئون عليه، لكنه إذا استعملها عند استئهالهم الأدب صارت له دلالة على وقوع الأدب بهم فلم يأنسوا إليها، فيكون منها إذا استعملت أدب لهم في بعض الأحايين دون الضرب، وفي بعض الأحايين يوقع الضرب معها بقدر الاستئهال الواجب في ذلك الجرم. ولكن ينبغي أن لا يتبسط إليهم تبسط الاستئناس في غير تقبض موحش في كل الأحايين، ولا يضاحك أحدا منهم على حال، ولا يبتسم في وجهه وإن أرضاه وأرجاه على ما يجب، وإن استأهل الضرب فاعلم أن الضرب من واحدة إلى ثلاث، فليستعمل اجتهاده لئلا يزيد في رتبة فوق استئهالها ... وربما كان من صبيان المعلم من يناهز الاحتلام ويكون سيئ الرعية غليظ الخلق لا يريعه وقوع عشر ضربات عليه ويرعى للزيادة عليه مكانا، وفيه محتمل مأمون فلا بأس - إن شاء الله - من الزيادة على عشر ضربات، والله يعلم المفسد من المصلح ... وليتجنب أن يضرب رأس الصبي أو وجهه ...
74
فالقابسي يبيح للمعلم أن يؤدب أطفال كتابه إذا لم يفد اللطف والإيناس معهم، ويبيح له ذلك على أن لا يتجاوز ثلاث ضربات، إلا إذا كان الطفل سيئ الأخلاق، قد ناهز الاحتلام، فلا بأس من ضربه عشر ضربات وإلا فلا يجوز له؛ لأن أبناء الناس وديعة في يده. قال ابن خلدون: «... إن من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعا إلى الكسل وحمل إلى الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه ... فينبغي للمعلم في متعلمه، والوالد في ولده أن لا يعتدوا عليهم في التأديب ...»
75
فابن خلدون يعالج مشكلة تربوية نفسية جد خطيرة، وهي أن من يعود على القيام بواجبه مكرها، لا يفعل الواجب إذا زال الإكراه، وفي هذا فساد عظيم، ويرجع ذلك كله إلى التربية الظالمة التي يلجأ إليها بعض الآباء والمعلمين.
وكما يعاقب المعلم تلميذه على إهمال دروسه، يعاقبه على الإسراف في لعبه ولهوه، وعلى الهرب من كتابه، وعلى إيذاء إخوانه. قال القابسي: «... وهذا هو أدبه إذا أفرط فتثاقل عن الإقبال على العلم، فتباطأ في حفظه، أو أكثر الخطأ في حزبه أو كتابة لوحه من نقص حروفه وسوء تهجيته وقبح شكله وغلطه في نقطه، فنبهه مرة بعد مرة فأكثر التغافل ولم يغن فيه البذل والتقريع بالكلام الذي فيه التوعد من غير شتم ولا سب بعرض، كقول من لا يعرف لأطفال المؤمنين حقا فيقول: يا مسخ، يا قرد ... فلا يفعل هذا ...»
76
على أن كثيرا من المؤدبين كانوا يلحون إلحاحا شديدا بوجوب عدم الضرب والشتم لما فيهما من الفساد، حتى قال سحنون لمؤدب ولده محمد حينما سلمه إياه ليعلمه: «... ولا تؤدبه إلا بالمدح ولطف الكلام، وليس هو ممن يؤدب بالضرب أو التعنيف.»
77
فهذا يدلنا على أن نفرا من المسلمين المربين كرهوا الضرب أصلا وأوجبوا عدم العنف لما في ذلك من الضرر البالغ.
إلزامية التعليم:
الدين الإسلامي دين ديمقراطي؛ لأنه جاء بالتساوي بين الناس، ولأنه لا يفضل أحدا على أحد إلا بالتقوى والصلاح والعلم والكمال، وأن ما جاء عن النبي
صلى الله عليه وسلم
من علم وصلاح وهدى هو للناس أجمعين، كما نص عليه القرآن وتواترت به السنة وسار عليه الرسول وخلفاؤه الراشدون من بعده. ومبدأ الديمقراطية والتساوي بين الناس جميعا وإلزامية التعليم والتساوي فيه مبدأ يقره الإسلام بروحه، وهو وإن لم ينص عليه فإنه يدعو إليه بل يحض عليه، وقد قام الرسول