تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولولا خطأ قام به إبراهيم باشا في البلاد لظلت دولته قائمة في الشام؛ وذلك أنه نفذ قانون «الجهادية» الذي سنه أبوه في مصر، وكان عليه أن يؤخره إلى حين؛ لأن رجال البلاد وشبانها قد تعودوا الكسل والخمول، وكان ينبغي أن يتريث بعض التريث.

قال الأستاذ كامل الغزي: «وفي سنة 1254ه وقع القبض والتفتيش على أولاد المسلمين ليدخلوا في النظام العسكري، ومن لم يوجد منهم قبض على أبيه أو أمه أو زوجته وعذبوا إلى أن يحضر الرجل المطلوب، ومن هرب منهم أو أحجم عن السفر يجعل هدفا للرصاص.» وقد رأى أرباب العثمانيين وأنصارهم في بلاد الشام أن الشاميين قد انقلبوا على الدولة المصرية، فأخذوا ينفخون في النار حتى قامت الثورة في الشمال والجنوب، واستغل الترك هذه الثورات فجهز سلطانهم محمود سنة 1255ه جيشا يقارب السبعين ألفا وعلى رأسه حافظ باشا، فالتقى الجيشان في نصيبين وهزم الجيش العثماني وغنم المصريون مغانم كثيرة، وفي هذه الفترة مات السلطان محمود وخلفه ابنه عبد المجيد، وكان على حداثة سنه ذكيا لبقا، فاتفق مع دول أوروبا ضد الدولة المصرية، ولما رأى محمد علي تكاتف دول أوروبا عليه عزم على محاربتهم جميعا، ووقعت حروب بين الأسطول الإنكليزي في بيروت وصيدا وعكا، ثم اضطر الجيش المصري أن ينسحب، فانسحب من الديار السورية وأهل العقل والمروءة والوطنية يبكون على فراق هذه الدولة الحكيمة على قصر أيامها.

قال الأستاذ كرد علي: «وكانت حكومة محمد علي من أفضل ما رأت الشام من الحكومات منذ ثلاثة أو أربعة قرون، بل إن الشام في القرون الوسطى والحديثة لم تسعد بما يقرب منها فضلا عما يماثلها.»

وكتب المستر برانت قنصل بريطانيا في دمشق إلى سفير دولته في الآستانة سنة 1858ه ما تعريبه: «ولما كانت الإيالة تحت حكم محمد علي باشا عاد كثير إلى سكنى المدن والقرى المهجورة الواقعة حوالي حمص وفي كل الجهات الواقعة على حدود البادية، وفي هذه الأماكن أكره العرب على احترام سلطة الحكومة وجعل السكان بمأمن من اعتداءاتهم ... ولم يكد المصريون يطردون من البلاد ويتقلص ظل سطوتهم، وقد كانوا أخضعوا الجميع لحكمهم الشديد، حتى عاد القوم إلى نبذ الطاعة، وخلفت الرشوة والتبذير في إدارة المالية النزاهة والاقتصاد، ومنيت المداخيل بالنقص.» •••

هذه هي الصفحات التي تصور لنا تاريخ هذين القطرين الشقيقين خلال العصور منذ فجر التاريخ إلى أوائل العصر الحديث، وهي صفحات قاسم فيها كل بلد أخاه في آلامه وآماله ومصائبه. واليوم تهفو قلوب كل من سكان البلدين إلى شقيقه، فالله أسأل أن يحقق هذه الأماني ويجمع الشمل.

وقد يجمع الله الشتيتين بعدما

يظنان كل الظن أن لا تلاقيا

| العلاقات العلمية والأدبية بين القطرين

رأيت في الفصل السابق قوة العلاقات السياسية بين البلدين على مرور الأحقاب والدهور، وطبيعي أن تكون العلاقات العلمية والأدبية أقوى؛ فإن السياسة قد تنقطع عراها بين بلدين، ولكن من العسير جدا أن تفصم عرى العلم بين بلدين بانقطاع العلاقات السياسية بينهما، ومهما فعلت السياسة في التفريق بين بلدين فإنها لا تستطيع أن تمنع علماءهما وأدباءهما من التزاور والبحث والمناقشة. والحق أن العلاقات العلمية بين الشام ومصر عريقة جدا في القدم، وأكاد أقول إنها موجودة بينهما منذ أن وجد العلم والأدب والفن في هذين القطرين. ولعل أقدم العلاقات العلمية القوية بينهما ترجع إلى زمن الفينيقيين، فقد ذهب شامبوليون إلى أن الكتابة الفينيقية هي وليدة الكتابة الهيروغليفية، وأثبت دي روجة أن خمسة عشر حرفا من الاثنين والعشرين حرفا - وهي الأبجدية الفينيقية - تتشابه تمام التشابه مع مثيلاتها في الخط الهيروغليفي، وأن السبعة الباقية لا يبتعد الشبه بينها وبين مثيلاتها الهيروغليفيات. وكذلك كان الأمر بين اللغتين فإن التشابه بينهما كبير، قال كوستاف لبون في كتابه عن الحضارة المصرية: «إن لغات سورية وبلاد العرب وشمال إفريقية تنقسم كأهاليها إلى فرعين: الفرع السامي أو الفرع السوري العربي، والفرع الحامي أو الفرع المصري المتبربر، وبين هذه اللغات جميعا قرابة كالتي بين المتكلمين بها، واشتقاقها ولهجاتها المختلفة ترجع إلى أصل واحد أولي ضاع اليوم، ولكن هذه اللغات لم تبتعد عنه كل البعد.»

مصر والشام في الغابر والحاضر · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والشام في الغابر والحاضرص ١٣