تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

# الحربية وفي جند السلطان وعسكره إلى أن قال إن الروجي كان أرسله إلى السلطان عبد الحميد في مهمة تخصه، وبينما كان في إسلامبول لأداء تلك المأمورية، إذ فجع بخبر قتل الروجي في واقعة، فما زال بعد ذلك مقيما هناك متحير الفكر لا يدري ماذا يصنع به، وقد عدم وليه ونصيره. ثم قال: ومن سوء حظي أيضا أنه كان معي في تلك الرحلة ولداي الصغيران وامرأتي، ولما أن ضاقت في وجوهنا أبواب المعاش وأسباب الرزق اضطررنا إلى الهجرة من إسلامبول إلى مدينة حمص. وما فتئنا مقيمين بها إلى هذا اليوم في أحد المنازل الصغيرة. هذا طرف من حديثه معنا. وكان أخبرني سعادة عبد الحميد باشا الدروبي أن هذا الأمير رفيع النفس، وقد حاول بعض المحسنين أن يصله ببعض المال فأبى، وما علمنا أنه نزلت به نفسه وقتا ما إلى قبول صدقة الناس ولا إحسانهم، وأنه من وقت أن جاء هذا البلد وعرفناه إلى الآن وهو إنما يعتاش من فضل مكسبه الذي يستحصله من كده وعمل يده، فاستغربت قصة هذا الأمير من حديث الباشا وقلت في نفسي: لله هذه العفة النادرة من رجل غريب في تلك البلاد البعيدة. وإن مثله لو مد يده لأهل المروءة واليسار لنال من مالهم ما يجعله في

غنى عن الكد والكدح طول حياته، لأن الناس مدفوعون بطبيعتهم إلى معاونة أمثاله. وفي المجلس ناولني ذلك الأمير عريضة يرجوني فيها أن أتكلم مع والده في طلب العفو عنه. أما أنا فما كدت أقرأ هذا الطلب في عريضته حتى ارتبكت وتحيرت في مسألته، إذ لم يكن يرضيني أن يعيش هذا الأمير وهو لا يزال غض الشباب تلك العيشة المرة، ويقضي حياته الطويلة بعيدا عن بلده وأهله وأصحابه متجشما مصاعب العيشة، معانيا متاعب الحياة أشد مما يعانيه الفقراء البائسون. وإني لأرأف الناس به وأشفقهم عليه من حين بلغني تاريخه. ومن ذا الذي يكون في قلبه مثقال ذرة من الشفقة ولا يتألم لهذا الأمير أو لا يريد أن يكرمه، وقد أصبح بعد العز ذليلا وبعد الغنى فقيرا، وصار يعد من أفراد الناس وعامتهم بعد أن كان لا يحسب إلا في أمراءهم وسادتهم وعظمائهم وقادتهم؟ ولكن ماذا عساني أن أصنع في مسألته، إذا كان لا يقبل منة أحد عليه صغيرا أو كبيرا؟ كما أنه ليس من المستطاع بوجه من الوجوه أن أخاطب والده في طلب العفو عنه بعد أن جرى بينهما ما كان جرى من المحاربة والمخاصمة. وما يدرينا؟ لعل في المسألة سرا أبعد من

الرحلة الشامية · الصفحة ١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرحلة الشاميةص ١٣٥