# الاستراحة في المحطة، وجلسنا فيها برهة مع حضرات المحتفلين الكرام. وعند ذلك قام في وسط هذا الاجتماع العظيم شيخ جليل وألقى على مسامع الحاضرين خطبة لطيفة، كان موضوعها منحصرا في تهنئتنا بالسلامة وإظهار سرور أهل البلاد بقدومنا إليهم، فسررت منه ومن خطبته، وشكرته وشكرت أيضا جميع الموجودين. ثم ذهبنا إلى خارج المحطة حيث كانت العربات مجهزة لنا فركبنا وركب معنا عطوفة الوالي عربته الخاصة، وتبعتنا حاشيتنا في عربة أخرى. فسرنا أولا من طريق كان قد اصطف على حافتيه عدد كبير من العساكر الذين كانوا يختلفون بين بيادة وسواري وطوبجية، وكانت الموسيقى العسكرية تحيينا بنغماتها الشجية. ثم سرنا في الطريق الموصل إلى الفندق بين زحام عظيم على جانبيه من سكان المدينة الذين كنا نشاهد البشر العظيم يتألق سناه على وجوههم البسامة، لا فرق في ذلك بين شبابهم وشيبهم ولا بين غنيهم وفقيرهم. كما أننا كنا نرى من لطف عطوفة الوالي وكماله ما ليس في وسعي أن أقدره في عبارتي فيدرك أو أصفه فيفهم بأكثر مما يعرفه الإنسان من أحب الناس إليه وأشفقهم عليه. وقد صرح لي في خطابه أثناء السير بما كان ينطوي عليه فؤاده من محبتنا وما كان ينويه ويوده من نزولنا ضيوفا عليه مدة إقامتنا في المدينة، لولا أن بيته صغير وقد نزل فيه بالصدفة صاحب الدولة ناظم باشا بدعوة سابقة من لدن عطوفته. فسررت جدا من تصريحه بجميل نيته وحسن قصده بنا، وقد اتسعت من صدري مكانته وعظمت في قلبي محبته، عندما كان يكرر أسفه الشديد من ضيق البيت، حتى لقد عد ذلك من الصدف التي عاكسته في أحب شيء إليه، وحالت بينه وبين ما كان يرجوه ويوده من صميم قلبه. ثم ما زال عطوفته معنا حتى دخلنا الفندق وتعرفنا منه بهداية صاحبه ما كان خصص لأجلنا من
الحجرات. وهناك جلسنا مستأنسين بحديث عطوفة الوالي ولطفه ريثما شربنا القهوة، ثم جاء إلينا سعادة توفيق باشا القومندان وعدد كبير من عظماء المدينة فرحبنا بمقدمهم وأهلنا بهم جميعا، وذكرت لهم بعبارات متكررة حسن عنايتهم واهتمامهم بنا، وكنت أشكرهم لذلك شكرا جزيلا. وقد كنت في غضون حديثي معهم ألاحظ من حركاتهم ولهجاتهم نشاطا عظيما وأدبا تاما وحماسا زائدا، إلى غير ذلك مما استوجب فرط محبتي لهم، خصوصا بعدما أظهروا لنا مودتهم الكاملة وإخلاصهم