ومن أحواله العزوف عن البراطيل التي تؤيد الأباطيل، فإنه وإن كان يباش الرؤساء وينزلهم منازلهم ما كان يخضع لهم، بل يقنعهم في مواقف الحق، ويرد كيدهم بالضعفاء في نحورهم، وكم له مع الرؤساء والقواد المسيطرين - وكلهم إذ ذاك مسيطرون - من مواقف شريفة صارمة يتحدث بها الناس، وأدل دليل على نزاهته عدم ظهور التمول عليه، وأن المال لا يخفى كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( أبت الدراهم إلا أن تمد أعناقها )، وأنه رغم ما بينه وبين القواد الضارضوريين الأولوزيين من أواصر الصداقة المتينة والمودة القديمة، فإنه لم يتردد أن يحكم عليهم بقبيلة ( أداو كماض ) في قضية ساقية يتنازعون عليها، وتدخل فيها صهرهم الحاج التهامي الأكلاوي بتأثيرهم عليه، فأثر هو على وزير العدل إذ ذاك سيدي محمد الحجوي، ولكن ذلك كله لم يجدهم شيئاً أمام تصلب المترجم في الحق.
ومن أخباره في تمسكه بدينه ومحافظته على ما بينه وبين ربه أن جعل من أوقاته وقتاً يخلو فيه بربه فيناجيه راجياً رحمته، وخائفاً عذابه، فيذكر في هذا الوقت أذكاراً كثيرة اتخذها أوراداً، وهو من أصحاب الطريقة الأحمدية المعتدلين المقتصدين الذين لا يرون لأنفسهم فضلاً على غيرهم، ولا لشيخهم الكبير فضلاً على غيره من الأشياخ الأكابر، وقد ذكر عنه أنه كثير البكاء والتضرع في خلواته هذه.
ومن استبرائه لدينه فيما هو مطوق به من أمور المسلمين أنه لا يتهاون في ترصد أهلة المواسم والأعياد، وخصوصاً الصيام والإفطار، فقد كان يصعد سطح داره ولا يبرحه إلا بعد اليأس من رؤية الهلال، وإذا راءه أطلق بيده طلقتين اثنتين من مسدس له، فإذا سمعه الناس تناقلوا الإعلام بأن القاضي سيدي موسى أطلق طلقتين من مسدسه، فلا يبقى شك في الصوم أو الإفطار.
ومن أحواله أنه يألف ويؤلف ويحسن المعاشرة مع جميع من يخالطونه 9/18