في أثناء العشر الأواخر من شوال عام 1361هـ اجتمعت أنا وصديق لي من الأدباء المعدودين، بيد أنه لم يرزق ذوق روح الأدب الجديد، وكان ممن يعجب التشبيب بسعدي وليلي في الشعر، وذكر المنازل والأطلال وغير ذلك من كل تركيب معاد، طحنته الألسن، ومجته الأسماع والأذواق، يجسم به صاحبه صوراً من الحب الكاذب، تقليداً للقدماء وتحكيماً للعادة المتسلطة.
وفي أثناء مفاوضتنا في الكلام استعرضنا ثلة من أدبائنا الجديرين بالاعتناء والدروس وفي طليعتهم الأستاذ الأديب الكبير السيد محمد المختار (1) الإلغي، وكان أمامنا إذ ذاك دفتر ضم بين دفتيه لكل واحد منهم نموذجاً من شعره، فاشبعناه قراءة ودرساً، فاتفقت أنا وصديقي الأديب على أن يعمد كل واحد منا إلى أصحاب هذه النماذج فيختار منهم شاعراً هو في رأيه مستحق لوسام العبقرية والنبوغ، فاختار صديقي واحدا منهم.
وكان غير الأستاذ السيد محمد المختار، واخترت أنا الأستاذ الشاعر المذكور، وكان –بحق- هو المبرز في تلك الطائفة المستعرضة، فقلت مخاطباً صديقي هذا البيت ارتجالاً:
إكذا بعيشك منهموا تختار *** أو ما أجاد محمد المختار؟
191/17
192/17فجعلت البيت مطلع قصيدة استرسلت فيها هكذا باعثاً بها إليه بعد أيام.
أكذا –بعيشك-منهم تختار *** أو ما أجاد (محمد المختار)؟
هو عارف أدب الخطاب إذا انتضى *** قلماً وكيف تحبر الأشعار
مد البيان رواقه في بابه *** وله لوفق مراده التسيار
فيطير في جو القريض محلقاً *** أني يرى للنسر فيه مطار؟
بذ المصاقيع الذين تسمنوا *** فلك البلاغ دونه الأقمار (2)
وتشربوا الإلهام حتى أنه *** تجري على أقوالهم أقدار
وتسربوا في عالم الفن الذي *** هو شاو من للعبقرية ساروا
يدلي بقافية فتتلو آيها *** فتهزك النشوات والإسكار
طوراً، وآونه تهزك رعدة *** فكأنما هي جحفل جرار
(1) نكتب نحن مثل هذا محافظة على النقل فقط، لا أننا نغتر.
(2) المصاقيع جمع مصقاع وهو البليغ كالمصقع.