خاطبني تلميذ من تلاميذ المدارس الجزولية بأبيات فطلب مني الجواب فاعتذرت إليه بأعذار، منها: عدم اطمئان القلب (1) واقترحت عليه ترك معالجة القريض حتى يتم نضجه، وتعلو مداركه، وتحصل عنده المواد التي لا بد منها لكل من أراد قرض الشعر، وتجهيز القصيد، فأبي التلميذ ذلك كله وطفق يذيع أنه إنما لم أجبه للحسد، وبعدئذ أجبته بهذه القصيدة محاذياً أبياته في الروي والبحر.
(لا عربي مهذب ولا عجمي معرب)
ما هكذا يرضى اليراعة كامل (2) *** ولا هكذا تحنو عليه الأنامل
ولا هكذا الموهوب يلقى روائعاً *** تصفق إعجاباً بهن المحافل
تهز قلوب السامعيها من العدا *** كأن فاجأتهم من عدو قنابل
وتأخذ بالحبات أخذاً كأنما *** أساليب مبناها الأنيق حبائل
رويدك لا تعجل إلى الورد قبل أن *** صفت لك -الهمت الأناة- مناهل
فما الشعر إلا ما أطبتك فنونه *** ما تطبي ورق الرياض خمائل (3)
وسجل في لوح الخلود ولم تكن *** لتمحوه فيها الضحي والأصائل
قصاري كثير في القريض وصوغه *** وروعته أن تستقيم مفاعل
على أنني ما أن هديت لحل ما *** كتبت، طويل ذاك أم هو كامل؟
ولا حل معنى من تراكيب لفظه *** وهل ينبتن زهر البساتين ما حل؟
كأني لما أن تجشم مقولي *** قراءة ما خطابتني به (باقل)
فلا عربي هذبته سجية *** ولا عجمي عربته الأوائل
تحاول ما يعيي القدير لحاقه *** فلو كنت تدري شأوه ما تحاول
فتعثر في المعنى وفي البحر تارة *** كسالكه بيداء والليل لائل
***
أتحسب أنا حاسدوك براعة *** وذلك ما لا تقتضيه الشمائل
اتحسب انا حاسدوك وكلنا *** لرقيك في اوج النوابغ آمل
وما إن كرهنا أن تكون مبرزاً *** نبوغاً، ولكن للنبوغ مخايل
187/17
188/17فعالج هداك الله فكرك إن من *** أضاحيك هذا العصر ما أنت قائل
(1) لأن ذلك وقع بعد نفي الحكومة الطلبة الإفاقيين من فاس.
(2) وقع في هذا الشطر الخرم، ووقوعه جائز في المطامع.
(3) أطباه بحسنه بتشديد الطاء: استباه به.