تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم اتخذ -على عادته- وصفه التصويري كوسيلة لأغراضه، فصور القصر التاريخي تصويراً رائعاً، بالغ في تجسيمه واستحضار صورته يوم كان في عنفوان جدته، فإذا هو مرتفع يحسر العيون ويخسيها ويضم بين أبهائه عالماً مختلطأ من الأمم، ثم دار الدهر دورته، فقلب أفراحه أتراحاً، و (جعل فيه مأتما بعد عرس)، مقوياً لا حركة فيه ولا أنيس، ولكنه ينبئك، بلسان حاله الفصيح عن عظمة بناته، هكذا نظر البحتري إلي (الإيوان) من بعيد، ومن خلال التاريخ والعصور، ثم دلخ إليه فاستلفت نظره فن الفرس المجسم في صورة (أنطاكية)، المعلقة، فوضع على أعيننا مجهراً كبر به الصورة حتى لم يعد لها إطار محدود، وقد استطاع الوليد أن يجمع في بيت واحد، بل في كلمة واحدة منه كل ما في الصورة من ألوان وحركات وظلال:

وإذا ما رأيت صورة (أنطا *** كية) ارتعت (1) بين روم وفرس

ولكن الشاعر لا يكفيه كل ذلك، فلابد له من مبالغة في التجسيم كي يضع الصورة أمامنا نلمسها لمساً، فأعار رسمها بالتجزئة والتفصيل في عدة مقاطع معبراً في الأخير عن شعوره بروعة الصورة الفرسية، وإعجابه بجمال فنها، حتى شك في جمودها فيقول:

يغتلي فيهم ارتيابي حتى *** تتقراهم يداي بلمس

الحق أن هذا الوصف بما فيه من خيال خصب وموسيقي فاتنة، وألوان متناسقة، وحركات متتابعة، قد بلغت روعته الفنية حداً لا يوصف، وأن البحتري بهذا برهن عن جدارته بقلب شاعر وصاف، وكلما سرنا معه في استعراض صوره يزاداد يقيننا بهذا الحكم.

فلنتسمع إليه يصف هيكل القصر الذي يبدو بضخامته وشموخه ورسوخ بنائه فوق طاقة البشر:

ليس يدري أصنع إنس لجن *** سكنوه، أم صنع جن لإنس؟

(1) أعني بكلمة واحدة، ارتعت، إذ بفضل هذه الكلمة صار البيت رائعاً يفيض بالحركة وينبض بالحياة.

المعسول · الصفحة ٨٣٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٨٣٦١