أنا الذي أحرر هذا الكتاب , ممن ابتلى بشراسة تعتليني احيانا وحزونة خلق تثور مني في بعض الأزمنة . ولا يعلم إلا الله ما يلقاه مني من يكون تحت يدي أو يمتحنون لمصاحبتي . أو يفاجئون بمجالستي . وأنا في هذه الحالة الثائرة . كأنني مسست بجنة . أو أصابني إختلال في عقلي . فكم ضرب صدر مني ظلما . وأنا أتخبط في تلك الشراسة . وكم كلمة بزيئة ، وتأنيب مؤلم وعدل فادح . وتقريع متجاوز لحدود المروؤة . يفرط مني إذ ذاك . وعقلي كأنه مذهوب به . وتميزى قد أذابته جمرة الغضب التي تتلظى بين جوانحي ولكن بفضل الله سرعان ما ينجاب عني هذا الضباب . وتنكشف هذه الغمة . فاراجع نفسى . فأراني كأنني لا أمت إلى الإنسانية بنسب . أو لا أجد من التحمل ما أسدله على ما يتبدى دائما من عورة الغضبان المشيح الذي ينتفض ويتخبط بيده ورجليه في صورة بذيئة . تزدريها العيون . وتستهجنها الابصار . فأستحقر نفسي إستحقارا يجعلني في نظري حيوانا شرسا . لا آدميا من بني إنسان . فأرجع في الحين إلى ذلك المسكين الذي تلقى صدماتي , بصبر عجيب . وحلم غريب . وحسن ظن كبير . فأفيض عليه حنانا وشفقة , ورقة . حتى لا أقدر أن أتحمل ثانيا . فأترامى عليه مستسمحا . فإما أن يسامحني قلبا ولهجة ، وذلك غالب من يدورون بي جزاهم الله بكل خير . وإما أن يسامحني ظاهرا , على حين أنه مطوي على ضغن يتحمله يوما ما . وأنا الآن أعرف رجلا من أصحابي بمراكش وقفت معه هذا الموقف بعينة . فأطرق حين انطلقت عليه . ولكنني حين تراجعت واستسمحتهم سامحني بلساني . وفي صدره ما تنقد به أضلاعه ضغنا وغيظا ولو كان المسكين يعلم ما أنا فيه تلك الساعة , لرحمني وأشفق علييّ . ولسدل عليّ من مسامحته ما يضمد الجرح النغل الذي أحس به في شفاف قلبي . وقد ندمت غاية الندم .
المعسول · الصفحة ٧٨١٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المعسولص ٧٨١٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي