ثم إنه وردت رسائلك، وتكاثرت في الجواب عنها وسائلك، وعهدت إلي بالانتقاد، على أن دأبي في أمثالك ـ التسليم والاعتقاد، وهبني انتقاد فمن لي بمطاوعة المفصل؟ وهل أنا في ذلك إذا عانيته إلا كما قيل: أكثر الحز وأخطأ المفصل)(1) ؟ وقد قرصتني في الأخريين بأبر العتاب، إن لم ألق بالا للجواب، ظانا بي الظنون، (لأمور تكون أو لا تكون)(2)، وليست تلك الظنون من جنابكم لائقة، (أعيذها نظرات منك صادقة)(3)، فوالله، يا أحب الأحبة إلي، وأعز الإخوان وأكرمهم علي، ما هو إلا أن قرأنا الأولى من الصحائف، وعثرنا على ما اشتملت به من حلل البدائع والمطارف
فوجمنا من المهابة حتى *** لا كلام منا ولا إيماء
140/10
141/10
فانتهى اقتداري، وحق له أن ينتهي، ووهت عزماتي، وما كان من شأنها أن تهي.
وكدت أضـ... إعجابا برؤيتها *** ومن رأى مثل ما أبصرت منها خـ..
لما شاهدت من عجائب تصير الأيادي باقلا(4)، وتشيب حتى من كان عذاره باقلا(5)، من قصائد هي لأفكار الناظرين مصائد، وأبيات هي على براعة ناظمها من أبدع آيات، وسجع مليح يهزأ بشق وسطيح(6)
(1) المفصل: بفتح الميم وكسر الصاد: أحد مفاصل الجسم، وأما بكسر الميم وفتح الصاد ـ وهو المتقدم ـ فاللسان والحز والقطع.
(2) شطر بيت وأوله:
سهرت أعين ونامت عيون *** لأمور تكون أو لا تكون
(3) قال المتنبي.
أعيذها نظرات منك صادقة *** أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
(4) قس بن ساعدة الإيادي الفصيح المشهور، وباقل بن عمرو الهلالي مشهور بالفهاهة.
(5) بقل وجه الغلام: نبت شعره.
(6) كاهنان عند مبعث الرسول، صلى الله عليه وسلم، ويذكران بالسجع في كلامهما.