تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن من التيسير والرشد للفتى ***إذا أدركته الشمس أن يتحولا

ومن عادته الحرص التام على أوقات الدروس، وقد كانت داره بعيدة عن المدرسة، في سيدي علي أو سعيد فيأتي دائما لا يتخلف وإن هطلت الأمطار، وسالت السيول، يذكر بعض تلاميذه أنه قد يأتي تحت انهمار السحب كأفواه القرب، ولحيته الطويلة تسيل ماء لا أنه تقطر فقط، شاهده على ذلك يوما، وقد يأتي راجلا إن اشتغلت البغلة، ولم يزل هكذا ديدنه، فلا يمكن أن يترك الدروس للأضياف، وإن كانوا ما كانوا، فقد كان عنده الشيخ سيدي المدني الأيفراني، فاستقبل الدروس من الصباح إلى أن قارب الزوال، فحين أتمها قال له سيدي المدني هذه العبارة: (مسني السغب) فضحك له، ثم قام معه إلى الفطور، وكلما أتم الدروس تناول المصحف أو دلائل الخيرات، وهلم جرا، والعادة أن يوالي نحو أربعة دروس أو خمسة صباحاً، وأقل منها في المساء، وكانت أنصبته على غرار أنصبة شيخه الشريف الكثيري، وكان ينوع الدورس بين فقه ونحو ولغة وأدب وأصول وتفسير، والحديث في الرمضانات غالياً، وهكذا استوفى نحو سبعين سنة، فأصدر عشرات من النبغاء، ومئات ممن دونهم.(137/8)

(138/8)

ومن أخلاقه اللطف والتأني في جميع أموره، حتى بينه وبين الطلبة فإنه يأتي صباح كل يوم دائما سرمدا، ثم لا يستدعي الطلبة للنصاب، بل بمجرد ما يدخل محل الدراسة يتناول المصحف فيتلوا إلى أن يأتي الطلبة، وقد يغلب عليهم البرد الشديد، فيجسلون في بيوتهم حول المجامر فلا يزعجهم، ولا يعهد منه أنه عنف أي واحد منهم، وقد يمر النهار كله كذلك، مع قلة ذلك جدّاً، فيبقى في محله إلى أن يصلي العصر وقد يغلبه البرد هو أيضاً وقت أسنانه فيبيت في المدرسة، وكان يرتاض كثيراً، فلم يكن يركب بين المدرسة وبين داره إلا بعد أن شاخ جدّاً وأناف على 95 في العمر.

المعسول · الصفحة ٦٤١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٦٤١٢