لم تضرهم سعة فلما أقبروا *** همدوا بشق ضيق راضينا
صاروا صحابا للوحوش وطالما *** صحبوا الظباء من الأوانس عينا
أرخي البلى ستراً عليهم مثلما *** كانوا على أعراسهم يرخونا
ما استبدلوا طمرا وكانوا قبله *** يستبدولن من المروط مئينا
جعل التراب بساطهم ووسادهم *** كم وسدوا الديباج إذ يغفونا (1)
كانوا على الخلق العجيب فأصبحوا 211/17
212/17*** خلقاً غريباً يفزع الرائينا
فتري المناظر غير تلك تغيرت *** وترى سوى تلك العيون عيونا
دب البلا والدود في أجسامهم *** كم دب فيها الراح إذ يلهونا
***
إني أري نوح النوائح في الوري *** أبداً بضحك القابلات قرينا
وأظن أفلاك المراكب لم تدر *** إلا بآجال البرية حينا
تمشي بدورتها المنايا أسهما *** ورحى تدور على النفوس طحونا
(الله أكبر) لم أجد بعد الصبا *** يوماً ولم أصبح به محزونا
فقد المؤانس فاقد لشبابه *** وغداً بأنواع الهموم قمينا 212/17
213/17
وغدا لأحداث الزمان وكربه *** غرضاً يقآبله الزمان مبينا
***
دعني أريق على الذين عرفتهم *** وعلى الهداة الراحلين -شؤونا
وأزيد فوق مدامع منزوفة *** بالنائحات من البيان أنينا
وأرق للشعب الذي أقطاره *** فقدت بنين -لمجده بانينا
في كل يوم ماتم نغماته *** خفق القلوب وضجة الباكينا
من بعد أن رحل (المنوزي) الذي *** تتدفق الآداب منه معينا (2)
ذهب الندي الإلغي هل تجد امرءا *** يأوي إليه بعده العافونا
(1) أغفى: نام.
(2) محمد بن أحمد المانوزي: أديب مشارك في جل الفنون، كثير الاطلاع متضلع في اللغة العربية، وله دراية للتشريع والفقه الإسلامي، وقد كان يستمتع بذاكرة قوية ساعدته على التحصيل والخوض في كل علم يروج في البيئة التي نشأ فيها، وقد اشتهر بنوادر وأطوار غريبة تميز بها بين أقرانه، كانت بيني وبينه مسامرات أدبية، ومخاطبات شعرية جدية وهزلية رحمه الله، انتهى من حاشية صاحب القصيدة.