تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33/17فلا يستحي من ذلك، ولا يستنكف منه، وكان مع كل هذا هيناً ليناً منبسطاً، كان يوم السوق يوم الأربعاء يعمر المسجد للصلاة، فمتى صلى بالناس يخرج حافياً وحده حاسر الرأس، إلا من طاقية، وفي عنقه سبحته، فيدور في السوق من جانب إلى جانب ثم يرجع، ومن مباسطاته ما حكاه لي سيدي بلعيد الصوابي: أنه كان يقول للناس متى قدم لهم السمن والعسل: كلوا (بصارة) (1) الملائكة، فإن سيدي بلعيداً يسمي هذه الأكلة بذلك. يباسط أضيافه بتلك القولة، وقد كان كأسلافه معرضاً عن التمول، واستحداث الأملاك، فلم يكن يتعيش إلا من مشارطته، وإلا من صبابة تدرها عليه الأملاك الموروثة من آبائه، وكذلك لا يهتم بالترف والتوسع في المآكل، فيكتفي بما تيسر، ويؤثر عنه كشف وكرامات، ونظرات مصيبة رحمه الله ورضي عنه.

وكان له في شيخه نظرة المريد الصادق لكثرة حسن ظنه، ولصفاء مرءاته، فقد وفد مرة على الشيخ في طائفة من التمليين. فقال أحدهم في الطريق أسرعوا لكيلا يفوتنا وقت تغدي الفقراء في الزاوية، فيحتاج الشيخ إلى أن يتعب ثانياً في إيجاد الطعام من جديد، فاستوقف كل الرفقاء، فقال لهم وهو مستقبل القبلة: والله والله والله لو كنت أعلم أنه يحصل لشيخي مني أدنى تعب لما اتخذته شيخاً ولما سلمت له نفسي.

وكان لكثرة محبته لشيخه عرض عليه –فيما قيل –بنتاً من بناته، مع أن للشيخ زوجة قبل ولم يخطر في باله ما عسى أن يحدث بين الضرات، لأن المعهود أن الناس يستنكفون في تزويج بناتهم لمن كانت عنده زوجة أخرى، خصوصاً في تلك الجبال حيث يقل تعدد الزوجات قلة كادت تؤدي إلى العدم في غالب القبائل. وبنته هذه بنت أبيها في الأدب مع الشيخ، فقد ورد أبوها مرة إلى إلغ ولم يحضر الشيخ فاعتذرت له في عدم رؤيته بأن لا إذن لها الآن، فبكى ورضي عنها رضاً تاماً.

(1) الفول المطبوخ الملتوت.

المعسول · الصفحة ٥٢٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعسولص ٥٢٩٥