ثم لما التحقت بالحمراء، كنت كلما زرت البلد، وأتلاقي مع الأديب البوزكارني يكون ثالثنا، فصرنا كالحلقة المفرغة، لا يدري أين طرفاها، فكانا لي وكنت لهما، فكان يدافعان عن مقياس معلوماتي في غيبتي، أمام حسادي، وأنافح عنهما كذلك في غيبتهما، لأنهما معاً في جانب، والأستاذان ابن الظاهر وسيدي المدني في جانب – على عادة المتعاصرين – وكانا كلما آنسا مني تقدماً في الأدب، ويشيدان بذكري، ويرفعاني إلى ما فوق مقامي، تنشيطا منهما، فكنت أجد لذلك تأثيرا في نفسي، فأستفرغ الجهد لأكون عالي الكعب في الأدب، والأدب وما إليه هو كل شيء عند الإلغيين، وغيره من العلوم إنما هو تبع للأدب، فكنت وإن أويت إلى المدرسة اليوسيفية في مراكش، أكب على كتب الفن، أو أقرض قصيدة، أو أحرر رسالة إليهما، ثم جرى إلى هذه الصداقة الأديب سيدي محمد بن محمد الكثيري، وهو إذ ذاك كما نبغ، فكان هذا كله مما قدمني في مضمار الأدب على النمط القديم، فيجد القارئ في ترجمة المولى عبد الرحمن البوزاكارني ما بيني وبينه من المراسلات إذ ذاك: ( 1338 هـ = 1342 هـ ) كما يجد بعضها في ترجمة سيدي محمد بن محمد الكثيري.
فأما ما كتبه إلى المترجم أو كتبته إليه – وأنا في الحمراء – فهاك ما عندي منه الآن، فقد كتب إلى:
الأديب الناشئ الذي طلع في أفق العز بدراً مشرقاً، وفاح في روضة ورداً مفتقاً، السيد محمد المختار، ابن الكرام الأخيار، المجلين في كل مضمار، سلاماً أطيب من الأدب أن فاح في منتدى الأدباء، وتحية أعطر من أخلاق العلماء الأتقياء.
195/9