فاتخذ إزاء داره مكانا يقعد فيه للخصوم، فيضي بما أراه الله، ويفتي ويرشد، فكان ذلك ديدنه، وهو ملازم ظل أمغار عمر، ثم ولده محمد بن عمر بعده، لا يفارقه في المأكل والمشرب، فتكونت له هالة واسعة أعظم مما كان له في ( إيموكادير )، فأثل هناك أيضاً أموالا، فأقام في بحبوبة عيش رغد، لا يتناول في داره إلا أحسن الأكل، ومائدته لا تعرف إلا خبز الحواري، واللحم الغريض، وكساس ملحمة في قصاع تصدر العشرات، كما حدثني بذلك من أقام عنده ضيفاً أسبوعا، من غير أن يكون ممن يحتفل لمثله، قائلاً: إن ذلك حاله دائماً، ثم هو مع كل ذلك يرد فينة بعد فينة إلى قرية ( إيموكادير ) – في صحبة رب مثواه أمغار عمر -، فيطلع رأسه، ويشيد بالحق في أحكامه، وقد أمن غائلة السفهاء فتأتى له ما قيل: من أن الواجب على الفضلاء في آخر الزمان إن كانت الأقدار رمتهم إلى بيئة ليس فيها للفضل ولا لذويه قيمة، أن يتخذوا من يسافه دونهم، فإن الحديد لا يفلح إلا بالحديد ? وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ?.
في القضاء رسمياً
هكذا قضى سيدي أبو بكر في ( أقا ) ما قضى، منذ نزل بها من حوالي 1326 هـ إلى أن دب الاحتلال إلى تلك الجهة الأقاوية نحو 1349 هـ. فقدم رسمياً قاضياً في النوازل الشرعية التي يتجافى المراقبون عنها لأمثاله إذ ذاك، فقام بذلك أحسن قيام، إلى أن أسن وظهر الضعف في بصره أول 1355 هـ فأخر عن ذلك المنصب، ثم لم ينشب أن فاظت نفسه.
طرف من أخلاقه
كان رحمه الله هينا لينا مائلاً إلى المسكنة، متواضعاً لكل أحد، مشتغلا بخويصة نفسه، وقوراً منحاشاً إلى السمت الحسن، متباعداً عن كل ما يلم بعرضه، أو يدنس شرفه، ملازماً للديانة، متعلقاً ببعض الأوراد 133/9