إن الأستاذ سيدي الحاج أحمد قد شارك كل معاصريه في خصالهم كلها، وجاراهم فيها بطرف سباق، وفاتهم بزهد أعاد به عصر الفضيل بن عياض وأمثاله بورع وتثبت كأنما رضعهما من لبان، فامتزجا بلحمه ودمه حتى صارا فيه طبعاً راسخاً، مع تعمير ألحق به الأحفاد بالأجداد، وخلع به العمائم الثلاث، فقد أمضى نحو ستة عقود في معاصرة الشيخ سيدي أحمد التيمكيدشتي وسيدي العربي الأدوزي، وسيدي محمد بن علي اليعقوبي، وسيدي سعيد الشريف، وسيدي محمد بن عبد الله الإلغي، ومن عاصرهم فجاذبهم حبال العلوم والفوائد ما شاء الله، ثم عاصر أيضاً الأبناء سيدي الحسن بن أحمد التيمكيدشتي، وسيدي محمد بن العربي الأدوزي، وسيدي علي بن عبد الله الإلغي، ثم درج غالبهم وهو لا يزال في الحياة، فتلك مزية فرع بها كل من يطاوله أو يريد أن يحتطب في حباله، مع كونه اتصل بسدة الملك من عصر السلطان مولاي عبد الرحمان، فالسلطان سيدي محمد، فالسلطان المولى الحسن، فالسلطان عبد العزيز، إلى أن لحق بربه في أواسط عصر السلطان مولاي عبد الحفيظ، ولا ريب أن الاتصال بتلك السدة مع المحافظة على الزهد التام، والورع العجيب الغريب لمما تثقل به الموازين، ومما يعتلي به صاحبه اعتلاء مجيداً لا يدرك كنهه، ولا يحد أفقه، وخصوصاً حين اختص شهوراً بالإمامة بين يدي السلطان المولى الحسن 84/6
85/6 الذي رأى من زهده وورعه ما بهره فأراد أن يتقدم به للشفاعة عند ربه، والأئمة هم الشفعاء حقّاً.
من ذا الذي يقدر أن يزاحم سيدي الحاج أحمد الجيشتيمي في جميع تلك المزايا أو يأتي بها كلها في قرن، فإن كان لبعض معاصريه بعضها منتشراً فإن الدر - كما قال الأبوصيري -: يزداد حسناً وهو منتظم.