لا شك أن سنوات 1328هـ سنوات قاتمة الجو من ناحية السياسة المغربية , فهناك احتلال البيضاء وهو حادث عظيم الواقع على المغرب , ارتجفت له كل الفرائص , وتشنجت له كل الأعصاب ثم ثورة مولاي عبد الحفيظ , فكان الناس يبنون عليها آمالا عظيمة ردت بعض السكون و الطمأنينة إلى الأفئدة , ولا سيما حين انتصر على أبي حمارة الزرهوني , فظن الناس أن الدولة الحفيظية دولة راسخة , يمكن أن يعتمد على سياجها الذي يحسبه الناس منيعا سميكا لا يتخطى ولا ينفذ فيه , ولكن سرعان ما انهار ذلك يوم طوقت فاس بالحصار البربري المشهور , فازدادت أرجاء المغرب وأوصاله تفككا , فرجعت المخاوف جذعة إلى النفوس و فساد القلق فصار الناس لإحساسهم بموقع المغرب بين الدول العظام التي تتجاذبه يقلبون أبصارهم في الأفق , لعلهم يرون بارقة جديدة يمكن أن ترد السكينة إلى القلوب ولو إلى حين , ثم زاد الجو اعتكارا بدعاية سيئة ينشرها المغرضون المندسون من جواسيس العدو عن شخصية مولاي عبد الحفيظ , من انه - وحاشاه - ذو جبروت و إلحاد واستهتار ونبذ لشرائع الدين , فأثرت تلك الدعاية الكاذبة في الشعب الجاهل الغر المتدين بالجهل , الغافل عن سنن الكون , وعما يتطلبه هذا العصر من القوة و العقل الحصيف ,وكأنه يجهل ما لرجال الدولة العلوية من الغيرة على الأخلاق والدين والمغرب , فتحت هذه الدياجى الكثيفة الظلام صار الأعراب يتناجون في أخبيتهم في ( تيزنيت ) فيرون من أنفسهم مقدرة على إنقاذ الموقف , ويتصورون أنهم يقفون في ميادين الأبطال وأنهم أهل للبروز بجمع كلمة الأمة ببركة الشيخ الذي ينتمون إليه رضي الله عنه , ولهذا الإيمان العميق في القوم أمكن استغلالهم من حيث لا يشعرون , ولم يكن أهل النظر البعيد من السوسيين يرون لهؤلاء السادة الأفاضل هذه المكانة , فقد رأيت عند 103/4
المعسول · الصفحة ١٧٩٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المعسولص ١٧٩٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي