السنن وغيرهم، وهو حديث صحيح، انظر تعليقات الأرنؤوطين على زاد المعاد (2/ 236) ".
وقد توسع بعض العلماء بالاستدلال على وجوبها بالآيات والأحاديث، فمن أحب التوسع في ذلك، فليرجع إليه"انظر مثلاً كتاب (النصيحة ومكانتها في الإسلام)، للشيخ الأمين الحاج محمد أحمد".
كما صرح العلماء بوجوب الدعوة والحسبة في مواطن عديدة من كتب الدعوة والحسبة، واستدلوا على ذلك بمثل قوله تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [آل عمران:104]
وبمثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) "الحديث رواه مسلم في صحيحه، وأخرجه أصحاب السنن، انظر: صحيح مسلم رقم (45)، وسنن الترمذي (2173)، وسنن أبي داود (1140)، والنسائي (11/ 8)، وابن ماجة (4013) ".
أما اختلاف العلماء حول كون الوجوب عينياً أو كفائياً، فقد أسهب بعضهم في الاستدلال لكل من القولين، وتحمس بعضهم لترجيح أحدهما على الآخر، والذي أراه في ذلك: أن الخلاف في المسألة خفيف لا يترتب عليه أثر عملي كبير، وذلك لما يلي:
1 - لاتفاق الطرفين على أصل الوجوب.
2 - ولأن الذين قالوا بالوجوب الكفائي، يتفقون مع الآخرين على أنه إذا لم تحصل الكفاية لم يسقط الحكم عن الباقين، ويبقى الخطاب متوجهاً إلى الجميع حتى تتحقق الكفاية، وإذا لم تتحقق الكفاية أثم الجميع.
3 - ولأن الذين قالوا بالوجوب العيني، قيدوا الوجوب بالاستطاعة، فمن لم يكن عالماً بحكم المنكر، لا يعد مستطيعاً بالاتفاق، وكذلك من كان عاجزاً عن تغيير المنكر سقط عنه الوجوب، فلا يترتب عليه على القول بالوجوب العيني حرج على أحد.
4 - ولأنه لو سقط الوجوب بقيام من تتحقق بهم الكفاية، بقي حكم الندب، فيندب جميع المسلمين إلى القيام بالدعوة، استدلالاً بقوله تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) [فصلت:33]، وبغير ذلك من نصوص شرعية ترغب في الدعوة، وترتب على فعلها الثواب العظيم.
هذا كله من جهة، ومن جهة أخرى: إن تصور تحقق الكفاية في جانب الدعوة أمر شبه مستحيل، لأن للدعوة الإسلامية مجالين أساسيين:
أ-دعوة غير المسلمين إلى الإسلام.
ب-دعوة المسلمين أنفسهم إلى الإسلام، على مختلف درجاتهم فيه.
وكلا المجالين متجدد، وتستمر الحاجة إلى الدعوة فيه، ولا يمكن تتصور الكفاية فيهما، إلا على نطاق نادر ومحدود.
ومن هنا: كانت النصيحة مطلوبة من جميع المسلمين، بل كان الدين النصيحة، وكان التواصي بالحق والتواصي بالصبر شرطين أساسين من شروط النجاة من الحياة، كما صرح بذلك القرآن الكريم في سورة العصر"انظر: (المدخل إلى علم الدعوة)، ص33 - 34".
منهج كلمة الحق وأسلوبه
منهج كلمة الحق، وأسلوبه
إن لقول كلمة الحق منهجاً وأسلوباً وضوابط، لابد من مراعاتها حتى توصف بحق أنها كلمة حق بكل معنى الكلمة، وحتى يؤجر صاحبها عليها، وتؤتي ثمارها، وتحقق فوائدها، وتكون شكلاً صحيحاً من أشكال جهاد الكلمة، قال تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل:125].
وقال:
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً)) [الأحزاب:70].
ولا تكون كلمة الحق سديدة وحكيمة، إذا لم يكن صاحبها على بصيرة في منهجها وأسلوبها، كما هو على بصيرة في حقيقتها ومضمونها، قال تعالى:
((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)) [يوسف:108].
وكثيراً ما يغفل الداعية الناشئ، أو الواعظ الأمي عن أهمية المنهج في قول كلمة الحق، فيكتفي بسداد المضمون، ويهمل سداد الشكل، فيتخبط في دعوته، وينفر الناس من أمره ونهيه، ويزيدهم بخطئه هذا عن المعروف بعداً، وبالمنكر تمسكاً، ويلومهم على ذلك، وهو غافل عن أنه جزء من المشكلة.
فقد رتب الله عز وجل على القول السديد آثاراً عديدة، دنيوية وأخروية، فقال عز وجل:
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) [الأحزاب71،70].