والتفكير الغربي نفسه يختلف في تقدير السيد ومنزلته من البطولة، فالعلامة المستشرق دوزي مثلا يخصص لحوادث حياته كتابًا (١)، وينتهي فيه إلى أن السيد ليس إلا جنديًا مغامرًا يبحث وراء طالعه، ويجمع في شخصه من رذائل عصره أكثر مما يجمع من فضائله. ويجاريه في هذا الرأي العلامة الفرنسي رينان، ويقول " إنه لم يفقد بطل بخروجه من حيز الأسطورة إلى حيز التاريخ قدر ما فقد إلسيد ". ولكن العلامة مننديث بيدال، مؤرخ السيد، يخالف كل هذه الآراء، ويبالغ في تقدير السيد، ويخصص لتقدير بطولته شذورًا طويلة، ويقول " إن الشعر والتاريخ يتفقان في شأنه، وأنه بالعكس لا يوجد بطل ملاحم أكثر لمعانًا في ظل التاريخ " (٢).
ويخصص ابن بسام، وهو معاصر لمعظم الأحداث التي خاضها السيد، لشخصية السيد وأعماله، شذورًا كثيرة. بيد أنه قد كتبت عن السيد، وعن مأساة بلنسية بالأخص وثيقة عربية مؤثرة، كتبها مؤرخ بلنسي، وشاهد عيان للحوادث، هو أبو عبد الله محمد بن خلف الصدفي المعروف بابن علقمة، وقد ولد ابن علقمة ببلنسية في سنة ٤٢٨ هـ (١٠٣٧ م)، وتوفي بها سنة ٥٠٩ هـ (١١١٥ م) وكان أديبًا شاعرًا. وقد هزته الحوادث والخطوب المفجعة التي مرت بوطنه بلنسية، والتي شهدها عن كثب، فألف تاريخًا لحوادث عصره، ولاسيما تغلب السيد على بلنسية، وما اقترن به من المآسي، أو كما يقول ابن الأبار، إنه " ألف تاريخًا في تغلب الروم على بلنسية، سماه "البيان الواضح في الملم الفادح"، وذلك قبل سنة ٥٠٠ هـ " (٣). وقد نوه بتاريخ بلنسية هذا، الذي ضاع ولم يصلنا، فضلا عن ابن الأبار، وهو بلنسي أيضًا، كثير من المؤرخين اللاحقين، ومنهم صاحب رواية الطوائف الواردة بذيل البيان المغرب، حيث يقول: " وقد
(١) كتاب دوزي المشار إليه هو: Le Cid d'aprés de nouveaux documents (Leyde ١٨٦٠)
وقد نشر بتمامه في الطبعة الثالثة من كتاب دوزي: Recherches ; V.II.p. ١-١٣٣
(٢) R.M.Pidal: La Espana del Cid ; V.II.p ٥٩٣-٦٠٤
(٣) راجع " التكملة " لابن الأبار ج ١ رقم ٥١٤، والبيان المغرب ج ٣ ص ٣٠٥ و٣٠٦، وابن الخطيب في " الإحاطة " (القاهرة ١٩٥٦) ج ١ ص ٩١. وراجع أيضًا: Pons Boigues Ensayo Bio - Bibliografico sobre los Historiadores y Geograficos Arabigo - Espanoles ; (Madrid ١٨٩٨) p. ١٧٥