تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا يتبين بجلاء أن فلسفة الأخلاق فلسفة وصفية تصويرية، كاشفة لأصول القيم الأخلاقية؛ ولكنها بتقرير هذه الأصول وإرسائها تبعث في النفس إيمانا بعدالة تلك القيم، واقتناعا بأنها تستند إلى حقائق ثابتة، وتنتسب إلى مقدسات سامية. ومن شأن هذا الإيمان بدوره أن يوحي إلى النفس أمرا علويا بوجوب تحقيق تلك القيم الكبرى.

فها هنا إذن حكمان منفصلان لا اختلاط بينهما، ولا التباس في أمرهما. وإن أولهما يستتبع ثانيهما حقا، لكنه لا يستتبعه استتباع المقدمات القياسية لنتائجها المنطوية فيها، حتى يقال إن الخبر لا ينتج إنشاء، بل استتباع الأسباب لمسبباتها والوسائل لمقاصدها؛ فإن معرفة مبررات القانون، والاقتناع بعدالته يجذب النفوس إلى امتثاله، ويغريها بطاعته عن محبة وطواعية.

تقرير الاعتراض الثاني، وهو أن بحوث الأخلاق النظرية جهود ضائعة

ذلك أنه كان المنتظر، عند الاختلاف في المبادئ النظرية العامة، أن يستنبط من كل مبدأ قواعد عملية تناسبه، مخالفة للقواعد الأخرى. غير أننا إذا استقرأنا الفلسفات الأخلاقية على تنوعها وتنازعها نراها تتلاقي عند قواعد عملية متشابهة بل متماثلة، حتى إن أنصار المذهب النفعي ينادون - كغيرهم - بمبدأ «أحب عدوك كما تحب أخاك. وأحب أخاك كما تحب نفسك.» وأنصار المذهب الحيوي التطوري يوافقون الواجبيين على التزمت الصارم الذي لا قيد فيه ولا استثناء. وهكذا نرى القواعد التطبيقية تسير مستقلة تمام الاستقلال عن المبادئ النظرية. ويا ليت أمر الفلسفة الأخلاقية وقف عند حد خلوها عن النتائج العملية، وبقيت لها فائدة نظرية تمس عقائد المجتمع وآراءه؛ ولكننا بينما نرى الفلسفات العلمية والفلسفات الدينية تترك أثرها في المجتمع، وتلاقي من رجال الأديان حركة قوية في تأييدها أو معارضتها، نرى هذه النظريات الأخلاقية تسير على حافة الحياة لا يحس بها أحد، بل يحدث التطور في آداب المجتمع بعيدا عن التأثر بها إطلاقا. وهكذا نراها عاطلة عن كل فائدة تشريعية أو اجتماعية.

ونحن نجيب عن هذا الاعتراض بشقيه، فنقول: أما دعوى اتفاق أصحاب النظريات الأخلاقية كلهم على قواعد عملية واحدة فهي دعوى غير صحيحة؛ فهناك مثلا مذهب القوة الذي يتنكر لكل القواعد الأخلاقية المعروفة، ويرى أنها ما وضعت إلا لاستغلال الضعفاء والسيطرة على الجماهير، وأن القوة هي التي تجعل الحق حقا والباطل باطلا. وهناك مذهب المتعة والمسرة، الذي يوصي باغتنام اللحظة الحاضرة، واقتناص مشتهياتها، دون حساب للماضي ولا للمستقبل ... نعم يبقى السؤال عن الفائدة في دراسة المذاهب الأخرى، المختلفة في نظرياتها، المتحدة في تطبيقاتها. وجوابه أن تضافر النظريات المختلفة على قاعدة واحدة، كترادف الأدلة المتنوعة على الدعوى؛ فهي بمثابة التحريض بمختلف الوسائل على العمل بتلك القواعد، كأنها تقول لنا: من كان همه طلب الكمال الإنساني لذاته فعليه بالتحلي بالفضائل، ومن كان همه المتعة الروحية الحقيقية فعليه بالتحلي بالفضائل، ومن كان همه المصلحة للفرد أو الجماعة فعليه بالتحلي بالفضائل، وهكذا ... وأما قولهم إن قافلة الحياة الاجتماعية تسير غير مبالية باختلاف الفلاسفة في المبادئ العليا للأخلاق، فنقول إن المجتمع طبقتان: طبقة العامة والجماهير، ذوي الحياة الكادحة، الذين ليس لهم من الفراغ ما يتلفتون فيه نحو هذا النور؛ وطبقة الخاصة المثقفين، الذين لا يكتفون بمعرفة الطرق العملية، حتى يضموا إليها براهينها النظرية، ومبادئها الكلية. ولكل طائفة من هؤلاء المثقفين مشرب في الاستدلال، وغرض يسعى إليه في الحياة. فهؤلاء يعنيهم أشد العناية أن يستعرضوا هذه النظريات، ليختار كل منهم أقربها لاقتناعه، أو يتزودوا من جملتها ويتسلحوا بمختلف أسلحتها، للانتصار على مذاهب الهدم ونزعات التشكيك في حقيقة القانون الأخلاقي.

كلمات في مبادئ علم الأخلاق · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في مبادئ علم الأخلاقص ٨