تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخيرا فإننا نستطيع أن نتنزل مع هؤلاء الجبريين إلى النهاية، وأن نسلم جدلا كل المقدمات التي سبقت مناقشتها؛ فنسلم لهم أول كل شيء أن الناس ليسوا في الجبلة العامة، وأن الطبيعة تؤهل كل طائفة منهم لناحية معينة من السلوك في الحياة، ثم نسلم لهم أن هذا الميل الطبيعي لا حيلة للمرء في نزعه ومحوه، ولا في تنظيم آثاره؛ ونسلم أخيرا أن هذا العجز لا يسري على الطباع العادية وحدها، بل على السجايا المتصلة بصميم السلوك الأخلاقي كذلك.

غير أننا نلفت نظرهم بعد هذا كله إلى أنهم، حين يتحدثون عن جمود الطباع واستعصائها، إنما يتحدثون عن ذلك الطبع الذي يستنتج بالظن من العادة المستمرة للمرء في سلوكه، لا عن الطبع الحقيقي الكامن الدفين، الذي قد تغطيه طبقة سميكة من عوائدنا الشخصية، أو الوراثية، أو السارية إلينا من عدوى المجتمع؛ حتى إنه ليخفى أمره على الناقد البصير، بل قد يخفى على المرء نفسه كنه نزعاته وميوله، وينخدع في حكمه على استعداداته؛ إما لقلة عنايته بتحليلها، وإما لفقد الفرص المواتية لظهورها؛ كما يجهل الزوج الذي لم يرزق ولدا قط مبلغ حنان الأبوة ورأفتها، وكما يجهل طالب العلم كنه ميوله الأدبية أو العلمية، في فترة طويلة من سني دراسته، وكما يجهل الجندي مدى قدرته على سياسة الجماعة وتصريف أمورها؛ لأنه لم يتول أمر القيادة يوما ما، فإذا تغيرت ظروف كل واحد منهم أشرقت فيه صفات وملكات جديدة، وعرف من نفسه ما كان ينكره منها، بل رب كلمة نصح تصادف القلب، ورب حادث مفاجئ يصدم الشعور، فإذا مجرى الحياة كلها قد تغير في طرفة عين، وإذا المعوج يعود مستقيما، والفاجر العربيد تقيا نقيا.

وجملة القول في هذا الوجه أننا إذا سلمنا أن الرياضة والمعالجة وتقليب وجوه التجارب لا تخلق طبعا جديدا، فإنها على الأقل تكشف

5

لنا من الطباع الحقيقية ما لم يكن في حسبان أحد وجود جرثومته في النفس، وكفى بهذا فائدة للتربية والتهذيب.

وهكذا يتبين لنا أن الذي يعتمد على ظواهر السلوك وعلى مجاري العادات في حكمه بعدم تطور الطباع، إنما يعتمد على جرف هار؛ وأن مثله كمثل من يحكم على الصحراء القاحلة الجرداء بأنها لا تقبل الإنبات، دون أن يجرب سقيها وحرثها ومعالجتها بسائر ضروب المعالجة.

فعلة ما يتوهمه الناس من جمود الطباع هو هذا اليأس، وهو فقد الثقة بالنفس. ومفتاح الخير كله في العمل والأمل، واليقظة والجد، والحرص على الإصلاح والتقدم. وتلك هي الوصية الذهبية التي أوصانا بها صاحب الرسالة حين يقول: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز.» وتلك هي حقيقة الجهاد الأعظم الذي قال فيه الرسول الكريم: «المجاهد من جاهد نفسه.» وقد وعد الله الذين يحافظون على عمل الصالحات بأن يصير الصلاح ملكة لهم، فقال:

والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ، كما وعد المجاهدين لأنفسهم بإبلاغهم غايتهم من الهداية، فقال جل شأنه:

والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، وهي آية مكية لا تعرف الكفاح بالسيف، ولكن بالصبر والقناعة، وقوة الإرادة، وتحدي المغريات والمثيرات، والصمود أمامها كالصخرة الراسية أمام الرياح العاتية. وقد جاء في الحديث الصحيح أن الرجل لا يزال يصدق ويتحرى الصدق حتى يكون صديقا. ومن أوضح الأحاديث الصحيحة في الدلالة على فضل الجلد والمثابرة وأثرهما في إزالة الرعونات الجبلية، وتكوين الخلق الحميد المضاد لها، قوله عليه السلام: «وإنه من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله.»

والله ولي التوفيق.

| علم الأخلاق، وتقسيمه إلى نظري وعلمي

لقد يكون في وسع الإنسان أن يستغني طول حياته عن بعض مسائل العلم والمعرفة، فلا تخطر له ببال، بل قد يستطيع أن يستغني عنها جميعها فترة طويلة أو قصيرة من عمره ... ولكن أحدا لن يستطيع أن يخلي همه من المسألة الأخلاقية طرفة عين.

كلمات في مبادئ علم الأخلاق · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في مبادئ علم الأخلاقص ٥