تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما تتجلى العادات المستقرة في ثوب إيجابي، قد تبدو لنا في صورة سلبية. وهنا أيضا ينبغي أن نكون في يقظة وحذر عند إصدار أحكامنا؛ إذ قد يخفى علينا الخلق الحقيقي، لعدم البواعث والأسباب التي تقتضي ظهوره؛ كالفقير الذي لا يجد ما ينفقه، مع أن في نفسه نزعة البذل والسخاء، فلا تحكم عليه بالبخل لمجرد عدم إنفاقه، وكالشره الذي لا يجد ما يتناوله، فلا تحكم له بالعفة حتى تتهيأ الملابسات التي تبدي لنا كامن سجيته وشيمته. •••

سيقول قائل: إذا كان خلق الإنسان كما ذكرتم هو مزاج روحه، وهيئة نفسه الراسخة فيها، على غرارة الصورة الخلقية لبدنه، ألا يكون ذلك اعترافا من أول الأمر بأن الأخلاق فطرية دائما، لا سبيل إلى تغيير ما وجد منها، ولا إلى اكتساب ما ليس بحاصل فيها؟ وهذا الاعتراف ينطبق بلا ريب على بعض وجوه النظر في المسألة، ولكنه لا يساير جملة المذاهب فيها. فإذا سلمتموه أصبح علم الأخلاق وليس له موضوع متفق عليه، مسلم الثبوت في نفسه.

نقول: كلا، إن التعريفات المذكورة للخلق لا تنطوي على الاعتراف بشيء من هذه اللوازم؛ ذلك أننا نسمي خلقا كل قوة إرادية راسخة، نزاعة إلى الخير أو إلى الشر، سواء أكان هذا الرسوخ في كل أحواله من عمل الفطرة والجبلة ليس غير، كما يقول أهل الجبر، أم كان يحصل تارة بالجبلة والغريزة، وتارة بالكسب والرياضة، كما يقول غيرهم.

فها هنا إذن مذهبان، يجمل بنا تعرفهما، وبسط وجهة نظرهما.

فأما غلاة أهل الجبر، فهذا نموذج من أقوالهم:

يقول شوبنهاور (الفيلسوف الألماني): يولد الناس أخيارا أو أشرارا، كما يولد الحمل وديعا، والنمر مفترسا. وليس لعلم الأخلاق إلا أن يصف سيرة الناس وعوائدهم، كما يصف التاريخ الطبيعي حياة الحيوان.

ويقول كانت (الفيلسوف الألماني أيضا): إن الذي يشاهد موقف الإنسان في ظرف معين، ويعرف سوابق تصرفاته في مثل هذا الموقف، يستطيع أن يتنبأ تنبؤا صادقا بما سيفعله في هذا الظرف المعين، كما يتنبأ العالم الفلكي بكسوف الشمس وخسوف القمر في ساعة محدودة.

ويقول سبينوزا (الفيلسوف الهولندي): إن أفعال الناس، كغيرها من سائر الظواهر الطبيعية، تحدث ويمكن استنتاجها بالضرورة المنطقية الهندسية، كما يستنتج من طبيعة المثلث أن زواياه الثلاث تساوي زاويتين قائمتين.

ويقول ليفي بريل (الفيلسوف الفرنسي): إن ميولنا الحسنة أو القبيحة التي نجيء بها إلى هذا العالم عند ولادتنا، هي طبيعتنا. فكيف نكون مسئولين عن طبيعة، هي ليست من عملنا، أو على الأقل ليست من عملنا الشعوري الاختياري؟

ويقول هيوم (الفيلسوف الإنجليزي): إن شعورنا بالحرية ليس إلا وهما خداعا.

أولئك فريق من فلاسفة أوروبا، غلب على عصرهم البحث في القوى المادية وطبائعها، ورأوا ما فيها من قوانين علمية ثابتة، فأرادوا أن يبسطوا نتائجها على سائر العلوم ... حتى الاجتماعية، والأخلاقية. فهم لذلك يصورون لنا الإرادة الإنسانية سجينة في نطاق حديدي من الغرائز والطبائع، ويصورون لنا البشرية كلها عاجزة عن التحول والتطور. ففيم إذن كان إنزال الكتب وإرسال الرسل؟ وفيم إذن وضعت الشرائع والقوانين؟ وفيم كان ويكون عمل المؤدبين والمربين؟ ألا يكون ذلك كله عناء بغير جدوى؟ أولا تكون دراسة الأخلاق نفسها ملهاة أو شبه ملهاة؟!

أما أنصار الحرية والتقدم فإنهم لا يرون في هذه المقالات جميعها إلا ضروبا من الدعوة المجردة، أو السفسطة المموهة، أو الخلط بين موضوع الأخلاق وغيره، كما سنبينه فيما يلي: (1)

وأول ما نلاحظه على هذه الأقاويل شذوذها على إجماع المفكرين الأسبقين؛ فإن هؤلاء المفكرين وإن اختلفوا في شأن الفطرة الإنسانية على مذاهب ثلاثة

2

إلا أنهم من جهة جعلوا هذه الفطرة عامة في جنس البشر، فلم يزعموا أنها خيرة في البعض شريرة في البعض، بل هي إما هذا، وإما ذاك، وإما كلاهما معا، في الجميع. ومن جهة أخرى فإنهم اتفقوا ثلاثتهم على قبول هذه الفطرة للتغير والتبدل؛ وذلك إما لامتزاج هذه الفطرة وتركبها (كما في المذهب الثالث)، وإما لمرونتها وقبولها للانقلاب (كما في المذهبين الأولين). (2)

كلمات في مبادئ علم الأخلاق · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كلمات في مبادئ علم الأخلاقص ٢