بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره ، وكما قال:
ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها ، لا نزعم عصمة العقول والضمائر من الخطأ في تحديد الحسن والقبيح والخير والشر، ولو في بعض الأحيان، ولكننا نستطيع أن نقرر مطمئنين أن هذه الأخطاء إنما تكون حيث يجتمع في الفعل الواحد جهتا خير وشر، فتختلف الأنظار في ترجيح أيهما، أو حيث تكون الإصابة في الحكم بحاجة إلى شيء من التروي البعيد عن الهوى، أو حيث تنطمس معالم الصواب في بعض الشئون ويخفى طريقه، حتى تعجز العقول عن الاهتداء إليه ما لم يمدها نور من الوحي السماوي. ومن أجل ذلك أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، إيضاحا لمعالم الحق، وتكميلا لمكارم الأخلاق.
شرح الاعتراض الرابع
قالوا إن وجود قانون عام للأخلاق لا يفترض وجود طبيعة إنسانية عامة متشابهة في الجماعات والمدنيات فحسب، بل إنه يستلزم قبل كل شيء أن يكون هذا القانون نفسه مؤلفا من واجبات متساندة متعانقة لا تناقض بينها، وأن يكون الوجدان الأخلاقي الذي ينبع منه القانون مؤلفا هو أيضا من عناصر مؤتلفة غير متضاربة ... لكن كلا اللازمين باطل؛ فالقانون الأخلاقي مجموعة متنافرة من الواجبات الفردية والأسرية والمهنية والوطنية والإنسانية، والحياة نفسها مجموعة متعارضة من المطالب البدنية والعقلية والسياسية والدينية، بل الوجدان الخلقي عند كل واحد منا هو مجموعة أحكام متناقضة: بعضها من محاكاة البيئة، وبعضها موروث من عصور متفاوتة: دينية أو قومية أو أجنبية.
هذا هو الاعتراض الرابع والأخير.
ونحن لا نشغل أنفسنا بمنع ما يحويه من المقدمات، ولكننا نسلم جدلا وجود تلك المفارقات في أحكامنا، وتلك المعارضات في واجباتنا، ونجيب بأن الفيلسوف في استنباطه للقانون الأخلاقي العام، لا يستفتي هذه الوجدانات الفردية المعقدة المتناقضة، بل إنه يسمو عن الجزئيات إلى المجردات، ويرجع إلى طبيعة الإنسان من حيث هي، ليعرف مقتضياتها وحقوقها العامة، ومتى استنبط لها هذا القانون الكلي أصبح هذا القانون بحيث يفرض نفسه فرضا على الوجدانات الفردية، وكان عليها أن تسمو هي إليه، لا أن ينزل هو إليها ... وإذا كانت الواجبات قد تتزاحم وتتنافس، فالأصل أن يبذل كل امرئ جهده في طلب التوفيق بينها؛ لإعطاء كل ذي حق حقه، فإن بلغ التزاحم فيها مبلغ التعارض، كان من تمام مهمة المشرع أن يضع لكل واجب رتبته تقديما أو تأخيرا، زيادة أو نقصا، ليبدأ العامل بالأهم قبل المهم، وبالمهم قبل غير المهم؛ فيجعل الضروري قبل الحاجي، والحاجي قبل الكمالي، ويضحي بالأدنى في سبيل المحافظة على الأعلى. وهكذا يستقيم الأمر جملة وتفصيلا، تشريعا وتنفيذا.
| الأخلاق الفلسفية، والأخلاق الدينية
اشتهر عند الباحثين من علماء الغرب أن قوانين الأخلاق الفلسفية تختلف اختلافا بينا عن قوانين الأخلاق الدينية، وأن هذا الاختلاف بينهما يبدو من وجوه شتى: من حيث موضوعهما (أي نوع العلاقات التي ينظمها كل منهما)، ومن حيث الواضع لهما (أي السلطة التي يصدر عنها الأمر الأخلاقي)، ومن حيث أساس التشريع (أي الأسباب التي يستند إليها)، ومن حيث بواعث العمل وأهدافه وجزاءاته، المقررة في كل منهما.
وإليك تفصيل هذه الخصائص التي ميزوا بها الطابع الأخلاقي في الأديان، عن الطابع الأخلاقي عند الفلاسفة: (1)
من حيث الموضوع:
فالأخلاق الدينية في نظرهم مهمتها تنظيم الصلة بين الخالق والمخلوق، ولا شأن لها بأمور المعاملات الإنسانية، بينما الأخلاق الفلسفية ترسم الطريق لسلوك الإنسان في نفسه أو في المجتمع، ولا شأن لها بنظام الشعائر والعبادات، لا بمعنى أنها تقف منها دائما موقف الحياد فحسب، أو أنها تتلقاها مسلمة من يد العرف الجاري في كل ملة، بل إنها قد تنكرها إنكارا، كما زعم الفيلسوف الألماني «كانت» حين قال إنه ليس على الناس واجبات قط نحو خالقهم؛ لأنه ليس لهم حق قبله، وكل واجب لا محالة يقابله حق،