تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنذ ذلك اليوم أصبح علم الأديان ذا شعبتين اثنتين: شعبة جديدة مبتكرة، وشعبة قديمة نالها شيء من التجديد.

أما الشعبة القديمة المجددة، فهي تلك الدراسات الوصفية، التحليلية الخاصة بملة ملة، وهي التي يمكن أن تعرفنا نشأة ديانة ما، وحياة مؤسسها، ومقومات عقائدها وعباداتها، وأسباب انتشارها، وألوان تطورها، إلى غير ذلك من المعاني التي ما فتئت مجالا لحديث الناس منذ اختلفت مذاهبهم، وهذه الشعبة هي المشهورة باسم «تاريخ الأديان» ولو أنصفت التسمية لكانت «تواريخ الأديان».

والتجديد الذي لحقها في العصور الحديثة يتناول مادتها ووسائلها جميعا، فبعد أن كانت مادة البحث لا تتجاوز في الغالب حوض البحرين الأبيض والأحمر، أعني: ملتقى القارات الثلاث، اتسعت الآن رقعتها حتى انتظمت القارات الخمس؛ وبعد أن كانت محصورة أو تكاد في نطاق الأمم المتمدينة، ذات التاريخ المدون، أو الآثار الخالدة؛ تناولت الشعوب الهمجية والأمم البائدة، بل تطاولت إلى التنقيب عما وراء التاريخ المعروف.

نعم، إن إفساح الميدان هكذا أمام المؤلفين المحدثين قد بعد بهم عن المنهج السليم الذي انتهجه مؤلفو العرب؛ ولكنه على كل حال قد فتح أمام الباحثين آفاقا جديدة لم يتشرف إليها السابقون؛ ولا سيما في وسائل البحث وأدواته، التي تنوعت حتى شملت علم اللغات المقارن، وعلم طبقات الأرض، وعلم التصوير والتمثيل الرمزيين، بل علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الأجناس البشرية، وسائر ما يمت بسبب إلى ظاهرة الدين.

وليس من شك في أن الأداة الرئيسية في دراسة هذه الشعبة يجب أن تكون هي استقراء العقائد والعبادات وسائر التعاليم في كل نحلة، من واقع الأقوال والأفعال الدالة عليها؛ وأن تكون مهمة العلوم الإضافية قاصرة على تقديم نوع من الضمان تحاط به عملية الاستقراء للتحقق من صحة سيرها، وعدم مصادمتها لمقررات تلك العلوم، وهذا هو هدف النقد العلمي

18

الذي يقوم على مراجعة التاريخ مثلا للتثبت من صحة الوثائق والأسانيد، ومراجعة فقه اللغة واصطلاحات الفنون لتحديد مدلولات النصوص، وهكذا ...

وأما الشعبة الجديدة المبتكرة، فهي ضرب من الدراسات النظرية، والاستنباطات الكلية، التي تهدف إلى إشباع نهمة العقل في التطلع إلى أصول الأشياء ومبادئها العامة، حين تتشعب عليه جزئياتها وتفصيلاتها.

بيان ذلك - في موضوعنا - أن الذي يستقرئ الملل على كثرتها، إذا درسها دراسة مقارنة، وأخذ يعزل ما فيها من المفارقات ووجوه الاختلاف، سيجد فيها البتة وجوها من المشابهة تتلاقى عندها كل الديانات، وسيجد في نفسه إذ ذاك باعثة تصعب مقاومتها، تدفعه إلى استخلاص هذه المبادئ العامة، وجمعها في وحدة كلية يحدد بها طبيعة الدين من حيث هو، كما أنه حين يرى ظاهرة التدين حظا مشاعا في الجماعات، مشتركا بين الأمم الحاضرة والغابرة، البادية والمتحضرة، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه السؤال عن منشأ هذه الظاهرة العالمية ومصدرها: هل لها منبع في طبيعة الفرد أو المجتمع؟ أم كانت وليدة المصادفة، أو ثمرة الصنعة والابتكار؟ أم ماذا؟ وهل كان في اختلاف صورها ومظاهرها في غضون التاريخ ما ينم على وجود ضرب من التسلسل والتولد بين بعضها وبعض، أو ما يدل على الأقل على شيء من التدرج التصاعدي أو التنازلي بينها؟ أم أنها لم تسر على سنن واحدة، بل كانت تصعد تارة، وتنحدر تارة، وتقف طورا، وترجع عودا على بدء كرة أخرى ...؟

هذه الأسئلة وأشباهها يصطدم بها دارس الأديان المختلفة في خاتمة مطافه فيضعها في صيغة نيرة محدودة؛ ولكنها تتجمجم غامضة مبهمة في صدر كل شغوف بالمعرفة ولو لم يكن ذا إطلاع على غير دينه الخاص، وقد خاض فيها علماء أوروبا وأدباؤها في العصور الحديثة، وعرض كل منهم وجهة نظره في حلها، ولكنهم تناولوها أشتاتا في مناسبات متفرقة، ومنهم من أدخل مسألة أخرى في طي بحوثه الأدبية، أو نظرياته الفلسفية العامة، ومنهم من وضع مسألة ثالثة في مقدمة دراسته لدين معين، ومنهم من ألم بهذه أو تلك في مدخل تأليفه عن تاريخ الأديان العام، ومنهم من ساقها نكتة عابرة، ومنهم من أطنب في الشكل والمظهر، وكان أقل عناية بالصميم والجوهر ...

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٧